((جمهورية الطوابير))... كيف تحوّل "الاكتفاء الذاتي" إلى فخ يخنق العراقيين؟
سيروان سعد
يعرف المواطن العراقي تماماً معنى أن يستيقظ وجدوله اليومي محكومٌ بـ "طابور". لم يعد الصباح البغدادي أو البصري أو الموصلي يبدأ بفنجان قهوة او استكان الجاي وهدوء، بل يبدأ بمسحٍ سريع لواقع الشارع: هل محطة الوقود القريبة مفتوحة؟ هل طابور الغاز وصل إلى رأس الشارع؟ وكم بلغ سعر طبقة البيض اليوم في السوبرماركت؟
في العراق، تحولت الاحتياجات البشرية الأساسية من تفاصيل عابرة إلى معارك يومية يخوضها الفرد ببسالة وصبر يُحسد عليه، لكنه صبرٌ معجون بالقلق والخذلان.
مفارقة التصريحات: عندما يُصبح "الاكتفاء" نذير شؤم!
لقد طوّر الشارع العراقي حاسة سادسة فريدة من نوعها، حاسة ولدت من رحم التجربة والمفارقات السريالية. حين يظهر مسؤول حكومي على شاشة التلفاز وبملامح واثقة ليعلن: "حقّقنا الاكتفاء الذاتي من المادة الفلانية"، لا يفرح المواطن، بل ينقبض قلبه.
في علم النفس الشعبي العراقي اليوم، أصبح تصريح "الاكتفاء" بمثابة إنذار مبكر لولادة أزمة جديدة. وما إن يجف حبر البيانات الرسمية حتى تختفي المادة من الأسواق، أو يقفز سعرها إلى الضعف.
أزمة الغاز: ننام على وعود الأنابيب والإنتاج الوطني، ونستيقظ على مشهد المواطن وهو يحمل أسطوانة الغاز على كتفه في حر الصيف ، يبحث عن سيارة التوزيع كمن يبحث عن كنز مفقود.
بورصة البيض والدجاج: يُغلق الاستيراد لدعم المنتج المحلي، وبدلاً من أن ينعم المواطن بمنتج بلاده بسعر مدعوم، يجد نفسه عاجزاً عن شراء "طبقة بيض" بعد أن تحولت بفعل فاعل إلى سلعة فاخرة ترهق كاهل أصحاب الدخل المحدود.
طوابير البنزين: المشهد الأكثر سريالية في بلد يطفو على بحيرة من النفط؛ حيث يُمضي الموظف أو سائق الأجرة ساعات من عمره الثمين تحت أشعة الشمس الحارقة فقط ليملاً خزان وقود سيارته، متسائلاً بمرارة: وين راحت نفطاتنا؟
أصابع خلف الستار: أزمات عفوية أم "مفتعلة"؟
يصعب إقناع العراقي بأن هذه الأزمات مجرد "مشاكل تقنية" أو "خلل في التوزيع". المواطن البسيط في المقاهي والأسواق يدرك جيداً "هندسة الأزمات". الشارع يرى بوضوح أن هناك أيدٍ خفية وأمراء طوائف اقتصادية يستفيدون من هذه الاختناقات.
الحقيقة التي تلامس وجع الناس هي أن الأزمات في كثير من الأحيان ليست ندرة في الموارد، بل هي تطويع للموارد. إغلاق الحدود بوجه مادة معينة بحجة "حماية المنتج" غالباً ما يكون غطاءً لإنعاش جيوب حيتان الفساد الذين يحتكرون الأسواق في الداخل. وتأخير تفريغ شحنات الوقود أو قطع الكهرباء المرتبط بالغاز المستورد، يتحول في المحصلة إلى صفقات مليارية تُدار في الغرف المظلمة، ويدفع ثمنها المواطن من أعصابه، وقوت عائلته، ووقته.
إنها حلقة مفرغة: يُخلق الشح، فيرتفع الطلب، فتشتعل الأسعار، لتدخل جباية الأرباح الفاحشة إلى جيوب شبكات المصالح الفاسدة، ثم تُحل الأزمة "ترقيعياً" حتى يحين موعد الأزمة التالية.
كلمة أخيرة للشارع
إن إعادة الثقة بين المواطن والدولة لا تبدأ بالخطابات الرنانة ولا بإعلان خطط "الاكتفاء" التي تعقبها الخيبات. تبدأ عندما يختفي آخر طابور من الشارع العراقي، وتصبح لقمة العيش ووقود السيارة متوفرة بكرامة، دون منّة من أحد، ودون خطة التفافية من حيتان الاحتكار. وحتى ذلك الحين، يبقى المواطن العراقي هو البطل الحقيقي في رواية الصمود اليومي، يواجه الأزمات بابتسامة سوداوية، ونكتة تخرج من قلب الجرح، وأمل لا يموت بأن الغد قد يحمل معجزة الاستقرار.