زلزال الدبلوماسية في هرمز: العالم يتنفس الصعداء.. فأين العراق من خارطة النفوذ الجديدة؟
سيروان سعد
لم يكن الإعلان الأخير القادم من واشنطن مجرد خبر عابر في نشرات السياسة، بل كان بمثابة هزة ارتدادية أعادت تشكيل الجغرافيا السياسية والاقتصادية للمنطقة بأسرها. بعبارة حماسية اختصرت أشهراً من التوتر العسكري والمفاوضات المعقدة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اكتمال "الاتفاق الكبير" مع إيران، موجهاً بفتح مضيق هرمز فوراً أمام الملاحة الدولية دون رسوم، وإنهاء الحصار البحري الأمريكي.
عبارة ترامب: "يا سفن العالم، شغّلوا محركاتكم.. فليتدفق النفط!" لم تكن مجرد إذن بعبور الناقلات، بل كانت إعلاناً ببدء مرحلة جديدة من التوازنات؛ مرحلة يقف فيها العراق اليوم عند مفترق طرق تاريخي، يوجب عليه التساؤل: كيف يعبر هذا المنعطف ليكون شريكاً في صياغة المستقبل لا مجرد ساحة لتصفية الحسابات؟
شريان الحياة يعود للنبض: ما أهمية هذا الاتفاق؟
مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي؛ إنه القناة التي تضخ الدم في شرايين الاقتصاد العالمي، حيث يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط في العالم. الحصار والتوترات الأخيرة وضعا كوكب الأرض على حافة أزمة طاقة غير مسبوقة، وجعلا المنطقة أشبه ببرميل بارود قابل للانفجار في أي لحظة.
تكمن أهمية هذا الاتفاق في نقاط جوهرية:
استقرار أسواق الطاقة: فتح المضيق يعني عودة تدفق النفط بسلاسة، مما يمنع حدوث قفزات جنونية في الأسعار العالمية، ويعيد الثقة لخطوط الشحن الدولية.
نزع فتيل الحرب الشاملة: الاتفاق الذي جرى بجهود وساطة دولية قادتها باكستان بدعم إقليمي (قطري وسعودي وتركي)، يشمل إنهاءً فورياً ودائماً للعمليات العسكرية على جبهات متعددة بما فيها الساحة اللبنانية، مما يمنح الشرق الأوسط فرصة لالتقاط الأنفاس.
تحول الإستراتيجية الإيرانية: يتضمن الاتفاق التزامات حاسمة تخص الملف النووي وتفكيك ترسانته مقابل رفع الحصار الاقتصادي والبحري، مما يعيد دمج طهران في المنظومة الاقتصادية بطريقة مغايرة.
العراق في قلب العاصفة.. كيف يستثمر "هندسة السلام الجديدة"؟
لطالما كان العراق الضحية الأولى لأي صدام أمريكي-إيراني؛ فحين تحتقن الأجواء بين واشنطن وطهران، تصبح الساحة العراقية ميداناً للرسائل الصاروخية والضغط السياسي والاقتصادي. والآن، مع انفراج هذه الأزمة، يمتلك العراق فرصة ذهبية غير مكررة لترتيب بيته الداخلي وتعزيز موقعه الإقليمي عبر مسارات واضحة:
1. الخروج من نفق "ساحة الصراع" إلى "جسر التلاقي"
مع هدوء الجبهات، يجب على الدبلوماسية العراقية استثمار هذا التراجع في حدة المحاور لبناء علاقات متوازنة ورصينة مع الطرفين (أمريكا وإيران) قائمة على المصلحة الوطنية البحتة. غياب التشنج الإقليمي يمنح بغداد مساحة أكبر لصناعة القرار السيادي بعيداً عن ضغوط "كسر العظم".
2. تحصين وتأمين الصادرات النفطية
العراق يعتمد بشكل شبه كلي على نافذته الجنوبية المطلة على الخليج العربي لتصدير نفطه عبر مضيق هرمز. فتح المضيق رسمياً وبضمانات دولية يرفع عن كاهل الاقتصاد العراقي كابوس توقف الصادرات أو ارتفاع تكاليف التأمين على الناقلات، مما يتطلب من الحكومة وضع خطط تسويقية بعيدة المدى لاستثمار هذا الاستقرار.
3. تنويع الممرات الإستراتيجية (طريق التنمية)
رغم أن فتح المضيق يمثل إنقاذاً آنياً، إلا أن الدرس التاريخي يفرض على العراق عدم وضع كل بيضه في سلة مائية واحدة. يتعين على بغداد تسريع العمل بـ "طريق التنمية" الإستراتيجي لربط ميناء الفاو الكبير بتركيا وأوروبا. هذا المشروع، في ظل السلام الإقليمي، سيتحول من مجرد فكرة طموحة إلى ضرورة دولية كخط بري بديل ومكمل للممرات المائية.
4. انتعاش اقتصادي وجذب للاستثمارات
رأس المال جبان، والشركات العالمية الكبرى كانت تخشى الاستثمار في بيئة مهددة بحرب إقليمية. هذا الاتفاق يرسل إشارة أمان للشركات العالمية لإعادة الإعمار، وتطوير قطاعات الغاز، والطاقة المتجددة، والبنى التحتية في العراق، مستفيدة من أجواء التهدئة الشاملة.
لحظة الحقيقة العراقية
إن التاريخ لا ينتظر المترددين، والاتفاقات الكبرى التي تصيغها القوى العظمى قد تتحول إلى مكاسب للدول الذكية، أو تدفع ثمنها الدول الغافلة.
لقد دفع العراق من دماء أبنائه واستقرار اقتصاده أثماناً باهظة طوال سنوات الصراع الإقليمي. واليوم، والنفط يستعد للتدفق مجدداً عبر هرمز والمدافع تتأهب للصمت، يجب على صناع القرار في بغداد أن يدركوا أن السلام المؤقت فرصة للبناء، وأن استثمار هذا المنعطف ليس خياراً رفاهياً، بل هو طوق النجاة لتأسيس عراق قوي، مستقر، وسيد لنفسه.