العراق على مفترق الطرق.. اكتمال السيادة يصطدم بسلاح منفلت
سيروان سعد
يقف العراق اليوم أمام لحظة مفصلية تحيط بها الشكوك والمخاوف مع اقتراب شهر سبتمبر، في وقت تتزامن فيه المرحلة الأخيرة من ترتيبات إنهاء مهمة التحالف الدولي والانتقال إلى صيغة مختلفة من العلاقات الأمنية مع الولايات المتحدة، مع مهلة سياسية وأمنية معلنة لحصر السلاح بيد الدولة.
ويعيش الشارع العراقي حالة من الترقب المشوب بالتشكيك المشروع، إذ لا يبدو تراجع الوجود العسكري الأجنبي كافياً بحد ذاته لإعلان اكتمال السيادة، في ظل معادلة داخلية ما تزال تعاني من تشظي أمني وسياسي وازدواجية في مراكز القوة.
ويبرز التناقض بصورة واضحة بين الخطاب الحكومي والسياسي الذي يتحدث عن جاهزية القوات المسلحة واستكمال مقومات الدولة القادرة على إدارة أمنها بصورة مستقلة، وبين واقع أمني توجد فيه تشكيلات مسلحة لا تخضع، بدرجات متفاوتة، بصورة كاملة لسلسلة القيادة الرسمية، فيما يمتلك بعضها امتدادات سياسية ونفوذاً يتجاوز الإطار العسكري المباشر.
ويصطدم الحديث عن حصر السلاح بيد الدولة ضمن سقف زمني قصير بمعطيات سياسية وأمنية معقدة. فالقدرات المسلحة الخارجة عن السيطرة الكاملة لسلسلة القيادة الرسمية لا تقتصر على فصائل تمتلك صواريخ وطائرات مسيرة، بل تشمل أيضاً أسلحة متوسطة وثقيلة بحوزة عشائر ومجموعات أخرى تُستخدم أحياناً في النزاعات المحلية أو بوصفها وسيلة لفرض النفوذ.
وهذا الواقع يثير تساؤلات جدية بشأن إمكانية تنفيذ قرار حصر السلاح بصورة شاملة خلال المهلة المحددة، بدلاً من الاكتفاء بإجراءات جزئية أو رمزية، ولا سيما في ظل تشابك المصالح السياسية والنفوذ الذي تتمتع به قوى تمتلك حضوراً مسلحاً وسياسياً في آن واحد.
أما في ملف الجاهزية العسكرية، فقد شهد الجيش العراقي وقطعات وزارة الداخلية وحرس الحدود والأجهزة الأمنية خلال السنوات الماضية تطوراً ملموساً في قدراتها على تنفيذ العمليات والمداهمات وتأمين المدن وملاحقة خلايا تنظيم داعش.
لكن التحدي الأوسع يتمثل في قدرة العراق على سد الفجوات الاستراتيجية التي كانت تغطيها قدرات التحالف المتقدمة. فما تزال البلاد بحاجة إلى شبكة دفاع جوي متكاملة توفر تغطية فعالة للمجال الجوي وقدرة كافية على رصد واعتراض مختلف التهديدات، فضلاً عن استمرار الحاجة إلى قدرات استخبارية وتقنية ولوجستية متطورة في بعض العمليات النوعية.
وتواجه المؤسسة العسكرية الرسمية تحدياً إضافياً يتمثل في حساسية أي احتكاك محتمل مع جماعات مسلحة نافذة، إذ كثيراً ما تفرض الاعتبارات السياسية والأمنية نهجاً قائماً على التهدئة وتجنب الصدام، ما يضع الدولة أمام معادلة صعبة بين المحافظة على الاستقرار من جهة، وفرض وحدة القرار الأمني وهيبة المؤسسات الرسمية من جهة أخرى.
ولا يقف تأثير السلاح خارج نطاق المؤسسات العسكرية والأمنية فحسب، بل يمتد إلى المجال السياسي وإدارة الدولة. فقد تحولت القوة المسلحة لدى بعض الجهات إلى عنصر نفوذ ينعكس على صناعة القرار السياسي والتنفيذي، وعلى شبكات المصالح وتوزيع المناصب والموارد، الأمر الذي يجعل أي تحرك حكومي جاد لإعادة ضبط هذا الملف محفوفاً بكلفة سياسية وأمنية مرتفعة.
وهنا تكمن المعضلة الأساسية. فحصر السلاح لا يعني فقط جمع البنادق والصواريخ أو إغلاق مقار عسكرية، بل يعني إعادة بناء العلاقة بين الدولة والقوى السياسية والمسلحة على أساس واضح تكون فيه قرارات الحرب والسلم واستخدام القوة حصراً بيد المؤسسات الدستورية وسلسلة القيادة الرسمية.
ويمتلك العراق فرصة لتعزيز استقلال قراره مع تراجع دور القوات الأجنبية وإعادة صياغة علاقاته الأمنية الخارجية، إلا أن اكتمال السيادة لا يقاس بخروج القوات الأجنبية وحده، بل بقدرة الدولة على احتكار الاستخدام المشروع للقوة وبسط القانون على أراضيها بصورة متساوية.
والاختبار الحقيقي للسيادة، في نهاية المطاف، لن يكون في عدد الجنود الأجانب الذين يغادرون البلاد، بل في ما إذا كانت بغداد قادرة على أن تصبح صاحبة القرار الوحيد في استخدام القوة، وأن تخضع جميع التشكيلات المسلحة، مهما كان غطاؤها السياسي أو القانوني، لأوامر الدولة وسلسلة قيادتها دون استثناء.