11 June - 19 July 2026
00 days
00 hours
00 mins
00 secs

العراق: هل سيؤدي الإصلاح إلى زلزال أم إلى انهيار الدولة؟

العراق: هل سيؤدي الإصلاح إلى زلزال أم إلى انهيار الدولة؟

سيروان سعد

2026-07-11T12:22:57+00:00

بين مطرقة التوافقات الهشة وسندان الفقر المستحكم، لا يغادر المواطنُ خانةَ "الذبيحة". يقف العراق اليوم أمام لحظة تاريخية مهمة، هذه اللحظة تتعدى مجرد وصف فساد عادي؛ بل تصل إلى ما يشبه “بناء نظام جديد” داخل أركان الدولة

ما يحدث في العراق ليس فقط زيادة في أعداد السرقات أو تقصير في إدارة الخدمات، بل هو تحول جذري في “طريقة الحكم". تم استبدال المؤسسة الرسمية بدلاً من ذلك بـ “نظام الظل". المنظومة هذه ليست طارئة، هي نتيجة عقدين من التماهي بين السلطة والمال.الآن الوزارات والمديريات تشبه إقطاعيات استثمارية تُدار بعقلية المحاصصة. و تُحكم عبر شبكات نفوذ عابرة للحدود، تلك الشبكات تتقن الفساد القانوني، يعني تحويل الجريمة المنظمة إلى إجراءات إدارية تستوفي الشروط الورقية.الفساد ما زال يعترض طريق التنمية في العراق؛ السبب هو اعتماد “هندسة الحماية المتبادلة". كل مسؤول يمتلك ملفات وأسرار كافية ليقلب نظام كامل. هذا يخلق “توازن الرعب” ويمنع أي محاسبة حقيقية. الشبكات تعيش على عقود وهمية ومشاريع لا تظهر إلا على الورق الرسمي. ولها القدرة على ان تعيد هيكلة نفسها بسهولة ، تستغل ثغرات القوانين التي صُنعت لتكون ملجأ للفساد صارت الأتمتة والرقمنة الإلكترونية خصمًا قويًا لهذا النظام لانها تعرف جيدًا أن

الانتقال إلى الإدارة الرقمية يعني إظهار ما كان مخفيًا وإزالة سرية الفاسدين.

في وسط الحقل المليء بالألغام، يأتي  الحراك الأخير بقيادة علي الزيدي ويسأل سؤال وجودي: هل نقدر نزيل الفساد من غير أن نفكك النظام الذي خلق الفساد؟او بمعنى اخر كيف سيواجه المنظومة التي انتجته؟ التحدي الذي يواجه علي الزيدي ليس فقط تقنياً أو قانونياً، بل هو أيضاً تحدي سياسي وجودي. المتضررون من أي إصلاح جدي لديهم وسائل إعلامية، ولديهم أدوات ضغط ميدانية، ولديهم قدرة على عرقلة المفاصل الحيوية للدولة. من وجهة نظري، التاريخ السياسي يوضح أن التغيير من داخل نظام محاصر هو خطوة خطره، إلا إذا كان مبنياً على شرعية شعبية شاملة تتخطى كل الانقسامات. القضاء يبقى تحت الضغوط السياسية رغم جهوده،ما لم يحصل على دعم من الجمهورلا يتراجع ولا يكتفي بالمشاهدة.استمرار هذا الوضع يدفع البلاد إلى “نقطة اللاعودة” في التفكك الاجتماعي. المواطن يفقد إيمانه بمفهوم الدولة، والفساد يتحول من عمل سري إلى ثقافة عامة يُنظر إليها كطريق وحيد للنجاة عندما تغيب العدالة وتختفي فرص التكافؤ. نحن نواجه خطرًا حقيقيًا: “تآكل سيادة الدولة” لصالح “سيادة المصلحة الخاصة". هذا الخطر يهدد بانهيار كامل للنسيج المجتمعي، لأن المجتمع فقد الثقة في كل ما هو رسمي.

إنقاذ العراق من هذا النفق المظلم لا يحتاج إلى حلول مؤقتة ولا إلى حملات تنظيف موسمية. ما يلزم هو إقرار إعادة تأسيس مبدأ المساءلة. لا أحد محصن من المساءلة. يجب أن يرتبط البقاء في المنصب بالشفافية الكاملة. كذلك، يجب أن يشارك المجتمع الدولي في تعقب الأموال المهربة عبر الملاذات الضريبية الدولية.العراق يواجه الآن ليس فقط أزمة مالية، بل أزمة “شرعية” في مؤسساته. لا يمكن حل هذه الأزمة إلا بزلزال سياسي يضع حدًا لعهد “الاستثناءات” ويجعل الجميع يخضعون للقانون. إذا لم يحدث هذا التغيير ستستمر التحقيقات كجهود لتخفيف الألم في جسد يلتهمه الفساد حتى العظام. المراهنة اليوم لا تتعلق بمن يتولى الحكم، بل تتعلق بقدرة الشعب على كسر شبكة القوى التي حولت العراق إلى جمهورية من الظلال. كسر هذه الشبكة يتطلب تضحيات كبيرة وقرارات قد تغير مستقبل السياسة العراقية إلى الأبد.

في ضوء هذا التشخيص الحاد،هل تعتقد أن النخبة السياسية تملك القدرة على إصلاح النظام الذي بنته بنفسها؟ إذا لم تستطع إصلاح النظام، فهل يتطلب التغيير الجذري “زلزالاً سياسياً” من خارج القواعد التقليدية؟

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon