العراق المأزوم: انفراجة سياسية هشة وألغام اقتصادية موقوتة.
سيروان سعد
بعد أشهر طويلة من المخاض والانسداد، عبرت العملية السياسية في العراق محطة الاستحقاقات الدستورية بانتخاب آميدي رئيساً للجمهورية، ومنح الثقة لحكومة الزيدي وكابينته الوزارية. ومع ذلك، فإن إتمام هذه الصيغة في الغرف المغلقة لا يعني بالضرورة انتهاء الأزمة؛ بل إن الحكومة الجديدة ورثت تركة ثقيلة من الأزمات الهيكلية التي تضع البلاد على حافة اضطرابات مستمرة.
حكومة المحاصصة الجديدة: تحدي النفوذ والفيتو الدولي
السرعة النسبية التي تشكلت بها حكومة الزيدي جاءت نتاج تسويات براغماتية وتقاسم للمنافع بين الكتل المتنفذة وليس بناءً على برامج إصلاحية حقيقية. تواجه هذه الحكومة منذ أيامها الأولى أزمة ثقة حادة مع الشارع، واهتزازاً في التماسك الداخلي نتيجة الصراع المكتوم على الوزارات الخدمية والسيادية.
الأخطر من ذلك هو البيئة الدولية والإقليمية التي وُلدت فيها الحكومة؛ فالتحذيرات والضغوط الأمريكية والغربية المسبقة بشأن نفوذ بعض الوجوه الكلاسيكية والفصائل داخل مراكز القرار ما زالت قائمة. هذا الضغط الخارجي يحد من قدرة الحكومة الجديدة على التحرك بحرية، ويجعلها مهددة بعقوبات مالية أو تضييق دولي إذا ما انحرفت بوصلتها السياسية، مما يضع استقرارها التنفيذي على كف عفريت.
الاستيراد والمنصة الإلكترونية: خانق مالي وتجارة متعثرة
يواجه قطاع التجارة والاستيراد العراقي حالة من الشلل الجزئي والإرباك المستمر. فرغم حديث الجهات الرسمية عن "ضبط المنافذ الحدودية ومكافحة التهريب"، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى أزمة حقيقية يواجهها التجار مع آليات التمويل المفروضة عبر المنصة الإلكترونية للبنك المركزي.
تسببت إجراءات التدقيق المشددة وصعوبة الحصول على الدولار بالسعر الرسمي في لجوء الكثير من التجار إلى السوق الموازية، مما حافظ على فجوة أسعار الصرف وساهم في رفع تكاليف البضائع الأساسية على المواطن البسيط. الاعتماد شبه الكامل على الاستيراد من دول الجوار وخصوصاً تركيا التي تتدفق بضائعها بمليارات الدولارات سنوياً يجعل أمن العراق التجاري رهناً بمدى توفر العملة الصعبة، ويؤكد فشل السياسات المتعاقبة في بناء أي قاعدة إنتاجية محلية تحمي الأسواق من التضخم المستورد.
الخزين الاستراتيجي: مسكنات مؤقتة لمعضلة مستدامة.
تتباهى الوزارات الخدمية بوجود خزين استراتيجي كافٍ، مثل تأمينات الحنطة لوزارة التجارة أو شحنات الغاز المسال الإضافية لوزارة النفط، لكن القراءة الواقعية تؤكد أن هذه الترتيبات ليست سوى "مسكنات مؤقتة" لا تحل أصل المشكلة
في ملف الغذاء
يرتبط تأمين الحنطة بمواسم هطول الأمطار وحصاد محلي متذبذب، في ظل أزمة جفاف طاحنة تضرب دجلة والفرات بسبب سياسات دول الجوار المائية، مما يهدد بانهيار هذا الأمن الغذائي في أي موسم قادم.
في ملف الطاقة
الاستمرار في استيراد غاز الطهي وشحنات الوقود (مثل الـ 30 ألف طن الأخيرة) رغم الوعود المتكررة بالاكتفاء الذاتي من الحقول النفطية الموجودة ، يعكس عجزاً مزمناً في إدارة ملف الطاقة وهدراً مستمراً للأموال في حرق الغاز المصاحب دون استغلال حقيقي.
قنبلة الموازنة الموقوتة: النزعة الاستهلاكية والريع النفطي.
يبقى التحدي الأكثر خطورة أمام وزارة التخطيط والحكومة الجديدة هو معضلة الموازنة العامة وجداولها المالية. فالبلاد ما زالت ترهن مستقبلها بالكامل لتقلبات أسواق النفط العالمية، وتبني خططها على فرضيات سعرية حذرة (60 - 70 دولاراً للبرميل) لمجرد تأمين النفقات الحتمية.
المشكلة الجوهرية التي لم تجرؤ أي حكومة على مواجهتها هي تضخم النفقات التشغيلية (الرواتب والأجور للقطاع العام المترهل)، والتي تلتهم ما يقارب 75% من إيرادات الدولة. هذا الواقع المرير يعني بوضوح غياب أي موازنة استثمارية حقيقية، وتجميد مشاريع البنى التحتية، وإهمال القطاعات الحيوية كالتعليم والصحة. وبسبب غياب بيئة استثمارية آمنة للقطاع الخاص، تزداد معدلات البطالة بين الشباب، مما يجعل الاقتصاد العراقي ريعياً بامتياز، وعاجزاً عن الصمود أمام أي هزة قادمة في أسعار النفط العالمية.
إن المشهد في العراق اليوم لا يحتمل التفاؤل المفرط؛ فالانفراجة السياسية وتشكيل الحكومة هما مجرد إعادة ترتيب للأوراق بين النخب السياسية ذاتها.
بدون ثورة إصلاحية حقيقية تضرب جذور الفساد في المنافذ الحدودية، وتحرر الاقتصاد من هيمنة النفط، وتكبح الإنفاق التشغيلي غير المنتج، ستبقى حكومة الزيدي تدير الأزمات بدلاً من حلها، ويبقى الشارع العراقي عرضة لانتكاسة اقتصادية أو معيشية قد تفجر الأوضاع في أي لحظة.