حقيقةُ الاعتقالاتِ في العراق.. بين مطرقةِ الداخل وسندانِ "واشنطن"
سيروان سعد
ليست مجرد أخبارٍ عابرة في نشرات الصباح؛ إنها "صدمة العصر" التي تتكشف فصولها منذ أواخر حزيران 2026. حين انطلقت عملية "صولة الفجر"، لم تكن مجرد حملةٍ أمنية، بل كشفت للعراقيين أنهم لا يعيشون في دولةٍ فقيرة، بل في دولةٍ "مُفقّرة" عمداً. حين تقتحم فرق مكافحة الإرهاب والفساد المنازل والمخابئ السرية، لا تجد ملفاتٍ أو أوراقاً، بل تجد "مقابر للنقد"؛ أموالاً بالدولار وسبائك ذهبية دُفنت تحت البلاط وداخل الجدران، وكأنها أرواحٌ أُعدمت بعيداً عن أعين الجياع.
حقيقة الأموال.. هل هي "ادخار" أم "وقودٌ للجحيم"؟
هذه الملايين التي تُستخرج بالكراتين ليست مدخراتٍ لمستقبل الأبناء، بل هي "رأس مال الفساد". كانت تُستخدم كـ "وقود" لتشغيل ماكينة الرشاوى، وشراء ذمم القضاة، وإسكات الأصوات المعارضة. كل دولارٍ وُجد في تلك الحفر هو نقصٌ في جرعة دواء، وانقطاعٌ في تيار الكهرباء الذي ينتظره العراقي منذ عقدين.
بين بغداد وواشنطن: هل الفساد "ورقةُ تفاوض"؟
تأتي هذه الحملة في توقيتٍ بالغ الحساسية، قبيل زيارة رئيس الوزراء "علي الزيدي" المرتقبة إلى واشنطن في منتصف تموز. يرى الكثير أن "صولة الفجر" ليست منفصلة عن ملف الزيارة؛ فالحكومة تسعى لإرسال إشارة واضحة للبيت الأبيض والشركات العالمية بأن العراق يسير نحو "تنظيف بيئته الاستثمارية". إن حصر السلاح بيد الدولة، الذي تتصدر قائمة ملفات الزيارة، لا ينفصل عن مكافحة الفساد؛ فكلاهما وجهان لعملة "استعادة هيبة الدولة" التي يراهن الزيدي عليها لجذب استثماراتٍ ضخمة في قطاع الطاقة والبنى التحتية.
جدلية "الحملة": هل نرى "الحيتان" أم نكتفي "بصغار السمك"؟
اليوم، يراقب الشارع العراقي المشهد بحذرٍ وتشكيكٍ مشروع, هل ستجرؤ الحكومة على ملاحقة الكبار الذين يحمون الفساد؟ أم أن الزيارة لواشنطن هي "شهادة حسن سير وسلوك" ستقدمها الحكومة مقابل التغاضي عن تصفية الحسابات السياسية الداخلية؟
التحدي ليس في عدد المعتقلين، بل في "أين ستذهب الأموال المستردة؟". الشعب لا يريد رؤية "صور الأكوام" في الأخبار، بل يريد أن يراها في ميزانية الدولة، وفي المستشفيات، وفي بناءٍ تحتي يعيد للعراق عافيته.
هل ستصمد هذه الإجراءات أمام الضغوط الحزبية والنفوذ المسلح، أم ستنتهي بانتهاء مراسم الاستقبال في البيت الأبيض؟
التحدي الحقيقي": ما بعد "صولة الفجر"
العراق اليوم يقف أمام مفترق طرق تاريخي؛ إما أن تكون هذه الحملة بدايةً لـ "تطهير الدولة" من طفيليات الفساد التي نخرت عظامها، أو ستتحول إلى مجرد ضجيجٍ إعلامي سرعان ما يخفت، ليعود الفساد أشرس وأكثر ذكاءً في التخفي.
الشارع العراقي يراقب، والأرض التي دفنوا فيها الأموال بدأت تنطق.. فهل من مجيبٍ حقيقي؟ أم أن نفوذ "الحيتان" سيظل محمياً بقوة السلاح فوق سلطة القانون؟