وعود الأراضي.. وكابوس الغرامات المؤجلة
وفاء الفتلاوي
حين يتحدث رئيس مجلس الوزراء عن العمل لتمليك كل عائلة عراقية قطعة أرض سكنية فإن الحديث يبدو للوهلة الأولى وكأنه بشارة طال انتظارها في بلد تحولت فيه أزمة السكن إلى واحدة من أكثر الأزمات قسوة وتعقيداً، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل تكمن المشكلة فعلاً في غياب الأراضي فقط، أم في عجز غالبية العراقيين عن تحمل كلفة السكن أساساً؟
فالحكومة وهي تطرح مشاريع المدن والمجمعات السكنية تتعامل مع المجتمع بوصفه كتلة مالية متشابهة بينما الواقع يقول إن الفوارق الطبقية في العراق باتت هائلة على سبيل المثال فالموظف الذي يتقاضى راتباً يتجاوز المليونين ونصف المليون دينار لا يمكن وضعه في المعادلة نفسها مع متقاعد يعيش على 500 ألف دينار، أو مع عامل يومي “كاسب” لا يملك دخلاً ثابتاً، أو مع عائلة هشة بالكاد تؤمن قوتها اليومي. ومع ذلك، فإن آليات البيع والتقسيط تكاد تكون واحدة وكأن الجميع يمتلك القدرة ذاتها على الدفع.
السؤال الأكثر إلحاحاً هنا: كيف ستؤمن الحكومة لكل عائلة قطعة أرض وهي لم تتمكن حتى الآن من معالجة التعثر المالي في المجمعات السكنية القديمة القائمة؟ فالكثير من المواطنين الذين حصلوا على شقق في مجمعات السيدية والطالبية والحبيبة وغيرها، دخلوا في دوامة أقساط وغرامات وفوائد جعلت حلم السكن يتحول إلى عبء نفسي ومالي دائم فبعضهم بات يخشى الإخطار المالي أكثر من خوفه من فقدان المنزل نفسه.
اذا كان الأولى بالحكومة الجديدة التي نستبشر بها خيرا قبل إطلاق وعود جديدة أن تراجع تقارير اللجان السابقة الخاصة بتقييم أسعار الوحدات السكنية وأن تعيد النظر بآليات التسديد التي تجاوزت قدرة المواطن الحقيقية كما أن تخفيض الأسعار أو إطفاء الغرامات المتراكمة قد يكون أكثر واقعية وإنصافاً من الإعلان عن مشاريع جديدة قد تواجه المصير ذاته.
إن أزمة السكن في العراق ليست مجرد نقص في الأبنية أو الأراضي بل أزمة عدالة اقتصادية أيضاً فحين يصبح المنزل حلماً بعيد المنال للمتقاعد والكاسب وذوي الدخل المحدود فإن أي مشروع إسكاني حتى وان خصص منه 25% لهذه الفئات سيتحول تلقائياً إلى فرصة متاحة فقط لمن يمتلك القدرة المالية لا لمن يحتاج السكن فعلاً.
لذا فإن نجاح أي مشروع حكومي مستقبلي لا يقاس بعدد الأراضي الموزعة أو الوحدات المشيدة بل بقدرة المواطن البسيط على السكن من دون أن يقضي عمره كله مطارداً بالأقساط والغرامات.