حين يصبح الاستقرار اختباراً للدولة
وفاء الفتلاوي
(كيف يهدد الهدوء بابتلاع ذرائع التعثر والتأجيل ويفرض كفاءة الإدارة في العراق)
لطالما اعتاد العراقيون أن يربطوا تعثر الدولة بالحروب والأزمات الأمنية والتوترات الإقليمية حتى بدا وكأن كل إخفاق يجد مبرره في حدث خارجي يفرض نفسه على المشهد لكن ما إن خفتت أصوات المدافع وانحسر التصعيد الذي شغل المنطقة لأشهر حتى برز سؤال أكثر صعوبة من الحرب نفسها: ماذا ستفعل الدولة عندما يحين وقت العمل؟
فالاستقرار ليس نهاية الطريق بل بدايته وهو اللحظة التي تسقط فيها ذرائع التأجيل وتصبح المؤسسات أمام اختبار حقيقي لقدرتها على إدارة البلاد بعيداً عن ضغوط الطوارئ ففي زمن الأزمات تتصدر الأولويات الأمنية وتتراجع الملفات الأخرى تلقائياً أما في زمن الهدوء فلا يبقى أمام الحكومات سوى مواجهة استحقاقات الداخل من الاقتصاد والخدمات إلى فرص العمل والإصلاح الإداري ومحاربة الفساد.
ويقف العراق اليوم أمام هذا الامتحان فالتحديات التي أثقلت كاهل المواطن لم تختف بانتهاء التوتر الإقليمي بل ما زالت حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية فالمواطن لا يقيس نجاح الدولة بعدد البيانات السياسية ولا بحجم المواقف الدبلوماسية وإنما بما يلمسه في الكهرباء والماء والتعليم والصحة وفرص العيش الكريم، وهي ملفات لا يمكن أن تنتظر كلما اندلعت أزمة في المنطقة أو هدأت أخرى.
وفي هذا السياق أثبتت التجارب أن الدول القوية لا تقاس فقط بقدرتها على إدارة الأزمات وإنما بقدرتها على استثمار فترات الاستقرار فالهدوء يمنح الحكومات فرصة لإطلاق المشاريع المؤجلة وإعادة ترتيب الأولويات وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسساتهم أما إذا مرت هذه المرحلة من دون نتائج ملموسة فإن الاستقرار يتحول من فرصة إلى عبء لأنه يكشف حجم الفجوة بين الوعود والإنجاز.
والاستقرار الحقيقي لا يقاس بغياب أصوات السلاح وحصرها بل بقدرة الدولة على فرض القانون وحماية مؤسساتها وإنجاز مشاريعها واستعادة ثقة مواطنيها فالدول لا تبنى بالهدوء وحده وإنما بما ينتج عن هذا الهدوء من قرارات وإصلاحات وخطط قابلة للتنفيذ وكل يوم يمر من دون استثمار هذه الفرصة يعني اتساع الفجوة بين ما يطمح إليه المواطن وما تستطيع الدولة تقديمه.
ولا يعني ذلك أن العراق خرج من دائرة التحديات بالكامل فالمنطقة ما زالت تعيش على إيقاع تحولات متسارعة والملفات الأمنية والاقتصادية لا تزال تتطلب قدراً عالياً من الحذر لكن إدارة الدولة لا يمكن أن تبقى رهينة انتظار المتغيرات الخارجية لأن بناء المؤسسات عملية مستمرة لا تتوقف عند هدنة ولا ترتبط بظروف حرب كما أن الاعتماد الدائم على تبرير التعثر بالأحداث الإقليمية لم يعد يقنع الشارع الذي بات يطالب بنتائج ملموسة أكثر من استماعه إلى المبررات.
ومن هنا تبدو المسؤولية اليوم أكبر من أي وقت مضى فالعراقيون لا ينتظرون خطابات جديدة بل ينتظرون أثراً ينعكس على حياتهم والفرصة التي يصنعها الاستقرار قد لا تتكرر كثيراً وإذا ضاعت فإن الثمن لن يكون سياسياً فقط بل اجتماعياً واقتصادياً أيضاً فالأمم التي تضيع فرص الهدوء غالباً ما تجد نفسها مضطرة إلى مواجهة أزمات جديدة وهي أكثر ضعفاً وأقل قدرة على معالجتها.
إن العراق يمتلك اليوم نافذة نادرة لإعادة ترتيب أولوياته بعيداً عن ضجيج المواجهات وإذا أُحسِن استثمارها فستكون اللبنة الأولى لمرحلة مختلفة تعيد الاعتبار لهيبة الدولة وتمنح المواطن أملاً بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل من الماضي أما إذا استمرت حالة الانتظار والتردد فإن الهدوء سيتحول إلى محطة عابرة تسبق دورة جديدة من الأزمات.
إن أصعب امتحان تواجهه الدول ليس في لحظة الخطر بل في لحظة الهدوء ففي الأزمات تتوحد الجهود تلقائياً أما في الاستقرار فتظهر كفاءة الإدارة وصدق الإرادة وقدرة المؤسسات على تحويل الفرص إلى إنجازات وهنا تحديداً يقف العراق أمام اختباره الحقيقي فإما أن يكون الاستقرار بداية مرحلة جديدة من البناء أو مجرد هدنة تسبق أزمة أخرى.