11 June - 19 July 2026
00 days
00 hours
00 mins
00 secs

من غزة إلى هرمز.. كيف غيرت الحرب أولويات العالم؟

من غزة إلى هرمز.. كيف غيرت الحرب أولويات العالم؟

وفاء الفتلاوي

2026-06-18T14:50:22+00:00

لم تكن الحرب الدائرة في غزة بحاجة إلى كارثة جديدة تزيد من مأساتها، لكن ما حدث خلال الأسابيع الأخيرة كشف حقيقة قاسية في عالم السياسة والإعلام؛ فالقضية التي تتصدر العناوين اليوم قد تختفي غداً إذا ظهرت أزمة أكبر وأكثر تأثيراً على المصالح الدولية ومع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران وما رافقها من تهديدات متبادلة وتحركات عسكرية ومخاوف من إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط، تحولت أنظار العالم فجأة من غزة إلى الخليج ومن صور الدمار والنازحين إلى خرائط الصواريخ والقواعد العسكرية وممرات الطاقة.

وعلى مدى أشهر طويلة كانت غزة حاضرة في نشرات الأخبار الدولية والبيانات السياسية والاجتماعات الدبلوماسية كانت صور الضحايا والدمار تفرض نفسها على الرأي العام العالمي فيما شهدت عواصم عديدة مظاهرات وضغوطاً شعبية للمطالبة بوقف الحرب لكن مع اندلاع الأزمة الأمريكية الإيرانية تراجع هذا الزخم بصورة ملحوظة ليس لأن المأساة انتهت أو لأن العمليات العسكرية توقفت بل لأن العالم وجد نفسه أمام أزمة جديدة تهدد الاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي في آن واحد.

وتكمن خطورة هذا التحول في أن إسرائيل وجدت نفسها أمام واقع مختلف عمّا كان عليه الحال في الأشهر السابقة فكلما انخفضت التغطية الإعلامية وتراجع الاهتمام السياسي الدولي تقلصت الضغوط المرتبطة بما يجري داخل القطاع وفي الوقت الذي كانت فيه وسائل الإعلام العالمية تتابع تطورات المفاوضات بين واشنطن وطهران ومستقبل مضيق هرمز واحتمالات توسع الحرب استمرت العمليات العسكرية الاسرائيلية في غزة واستمر سقوط الضحايا واستمرت معاناة السكان الذين يعيشون أصلاً أوضاعاً إنسانية معقدة.

ولم يقتصر الأمر على المجتمع الدولي، بل امتد إلى العالم العربي أيضاً فبعد أن كانت غزة القضية الأولى في الخطاب السياسي والإعلامي أصبحت المخاوف من الحرب الإقليمية الواسعة هي الموضوع الأكثر حضوراً انشغلت الحكومات بمتابعة تداعيات المواجهة المحتملة على الأمن والاقتصاد وأسواق الطاقة فيما تحولت النقاشات الشعبية إلى التساؤل حول مستقبل المنطقة إذا اتسعت دائرة الصراع بين الولايات المتحدة وإيران وهكذا تراجعت القضية الفلسطينية من موقع الحدث الأول إلى ملف يزاحمه حدث أكبر وأكثر تأثيراً على المصالح المباشرة للدول.

وإذا كان تحول الاهتمام العالمي مفهوماً من زاوية الحسابات السياسية والاستراتيجية، فإن السؤال الأهم يتعلق بمصير الاتفاقات التي طُرحت سابقاً لإنهاء الحرب في غزة فالاتفاق الذي أُعلن عنه مطلع عام 2025 كان يفترض أن يشكل بداية مسار يؤدي إلى وقف دائم لإطلاق النار وتبادل الأسرى وإدخال المساعدات الإنسانية وتهيئة الظروف لإعادة الإعمار إلا أن الواقع أثبت أن الطريق كان أكثر تعقيداً مما بدا في البيانات الرسمية إذ واجه الاتفاق عراقيل عديدة وخلافات حول آليات التنفيذ ومراحل الانسحاب والضمانات الأمنية فضلاً عن استمرار العدوان الاسرائيلي وخرق التفاهمات.

ومع مرور الوقت تحولت الهدنة من مشروع لإنهاء الحرب إلى محطة مؤقتة ضمن صراع ما زال مفتوحاً وبينما كانت الأطراف الدولية تتحدث عن فرص تثبيت الاتفاق وتطويره إلى تسوية أكثر شمولاً جاءت التطورات الإقليمية الجديدة لتسحب الاهتمام من الملف الفلسطيني نحو ملفات أخرى أكثر إلحاحاً بالنسبة للعواصم الكبرى وهنا وجد سكان غزة أنفسهم أمام معادلة صعبة فالاتفاق لم يحقق جميع أهدافه والضغوط الدولية تراجعت والحرب الإقليمية الجديدة استحوذت على الاهتمام العالمي.

الأرقام وحدها تكفي لإظهار حجم المأساة المستمرة فبعد أكثر من عام ونصف على الحرب ارتفعت حصيلة الضحايا إلى عشرات الآلاف من الشهداء ومئات الآلاف من الجرحى والنازحين فيما لا تزال البنية التحتية والخدمات الأساسية تعاني انهياراً واسعاً ورغم ضخامة هذه الأرقام فإنها لم تعد تحظى بالمساحة نفسها التي كانت تحصل عليها سابقاً وهو ما يعكس طبيعة المشهد الدولي الذي غالباً ما ينتقل من أزمة إلى أخرى دون أن يعني ذلك انتهاء الأزمة الأولى.

إن أخطر ما تواجهه غزة اليوم ليس فقط استمرار العمليات العسكرية بل احتمال تحول معاناتها إلى قضية ثانوية في نظر العالم فالتاريخ يثبت أن الأزمات التي تخرج من دائرة الاهتمام الإعلامي والسياسي لا تختفي من الواقع لكنها تفقد جزءاً كبيراً من قدرتها على تحريك المواقف والضغوط الدولية وبينما يترقب العالم نتائج المفاوضات الأمريكية الإيرانية والتوصل إلى تفاهمات جديدة تبقى غزة شاهداً على أن بعض الحروب لا تنتهي عندما تتوقف عن الظهور في العناوين الرئيسية بل تستمر بصمت بعيداً عن عدسات الكاميرات واهتمام الساسة.

واليوم، وبينما تتجه الأنظار إلى طهران وواشنطن ومضيق هرمز يبقى السؤال مطروحاً: هل فقد العالم اهتمامه بغزة فعلاً أم أن القضية تنتظر حدثاً جديداً يعيدها إلى الواجهة؟ وحتى يأتي الجواب تستمر المأساة ويستمر سكان القطاع في دفع ثمن حرب لم تتوقف، وثمن عالم انشغل عنهم بأزمة أخرى أكثر صخباً.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon