شيفرة شاسوار وطالباني.. تجميد النوايا وإشعال معركة الحقائب المؤجلة
وفاء الفتلاوي
لم يكن توقيع اتفاق "التوازن والازدهار" بين الاتحاد الوطني الكردستاني وحراك الجيل الجديد حدثاً سياسياً عابراً يمكن إدراجه ضمن سلسلة التفاهمات الحزبية التقليدية، بل جاء في توقيت بالغ الحساسية حيث لا تزال حكومة إقليم كردستان وبرلمانه رهينين للخلافات بين القوى السياسية فيما تتفاقم التحديات الاقتصادية والخدمية التي تثقل كاهل المواطنين.
ومن هذا المنطلق يتجاوز الاتفاق كونه إطاراً للتعاون بين حزبين ليحمل دلالات سياسية أعمق تتصل بإعادة رسم موازين القوى داخل الإقليم وفتح الباب أمام معادلة جديدة في إدارة السلطة قد تعيد تشكيل التحالفات ومراكز النفوذ وتفرض واقعاً سياسياً مختلفاً عما ساد خلال السنوات الماضية.
تصريحات رئيس حراك الجيل الجديد شاسوار عبد الواحد بأن الاتفاق يمثل بداية مرحلة جديدة لتغيير أسلوب الحكم في إقليم كردستان وأن هدفه إنقاذ الإقليم من أزماته السياسية والاقتصادية وتقديم مصلحة المواطنين على المصالح الحزبية تعكس محاولة لتقديم الاتفاق بوصفه مشروعاً للإصلاح السياسي لا مجرد اصطفاف انتخابي أو تفاهم لتقاسم المناصب.
ويتقاطع هذا الطرح مع مواقف قيادة الاتحاد الوطني الكردستاني التي تتحدث عن ضرورة إعادة التوازن إلى الحياة السياسية في إشارة إلى أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تقوم على شراكة أوسع في صناعة القرار.
غير أن السياسة لا تقرأ بالنوايا فقط بل بميزان القوى فالحزب الديمقراطي الكردستاني بوصفه القوة الأكبر في الإقليم انتخابيا قد ينظر إلى أي تحالف يعيد ترتيب مراكز النفوذ على أنه محاولة لتقليص حضوره في السلطة او انتزاعها بالكامل حتى وإن أكد أطراف الاتفاق أنهم لا يستهدفون أي جهة سياسية وهنا يبدأ التعقيد الحقيقي لأن تشكيل الحكومة لن يكون مجرد تفاوض على الحقائب بل صراعاً على شكل النظام السياسي داخل الإقليم ومن يمتلك القدرة على رسم قراراته.
وتاريخياً شهد إقليم كردستان مراحل انقسام سياسي وإداري بين أربيل والسليمانية قبل أن تؤدي التسويات إلى توحيد المؤسسات واليوم لا توجد مؤشرات على عودة انقسام رسمي لكن استمرار الاستقطاب بين القوى الرئيسة قد يعيد إنتاج واقع سياسي منقسم تتباين فيه مراكز القرار وتتعثر معه قدرة الحكومة على العمل بوصفها سلطة موحدة وهذا لا يعني بالضرورة ولادة إقليمين لكنه يطرح احتمال تعمق الانقسام السياسي والإداري إذا فشلت القوى الكردية في الوصول إلى صيغة شراكة مستقرة.
ويبقى المواطن الكردي الحلقة الأضعف في هذه المعادلة. فبين مشاريع الإصلاح، وصراع النفوذ، وتأخر تشكيل الحكومة، تتراكم الأزمات الاقتصادية والخدمية، بينما يزداد القلق من أن تتحول معركة "إعادة التوازن" إلى معركة لتغيير موازين السلطة فقط.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل سينجح هذا الاتفاق في كسر احتكار النفوذ السياسي وإعادة توزيع مراكز القرار داخل الإقليم أم أنه سيدفع كردستان إلى مرحلة جديدة من الصراع السياسي قد تؤجل تشكيل الحكومة وتعمق الأزمات؟ إن الإجابة لن تحدد مستقبل الحكومة المقبلة فحسب بل قد ترسم شكل الحياة السياسية في إقليم كردستان لسنوات قادمة.