من رماد الحرب الباردة إلى جحيم النووي: ترامب وكولمبي.. مابين الردع والانفجار

من رماد الحرب الباردة إلى جحيم النووي: ترامب وكولمبي.. مابين الردع والانفجار

دعاء هزاع الجابري

2026-08-14T08:33:06+00:00

في عصرنا الحالي المكتظ بالنزاعات السياسية والتصعيد بحروب دولية ، لم يعد العالم يخشى من القنبلة النووية بقدر ما يخشى من اللحظة التي يصبح فيها استخدامها قابلا للتفكير ، فالقنبلة التي كانت ذات يوم سلاحا أخيرا لا يذكر اسمه إلا عند الحديث عن نهاية العالم ، بدأت تستعيد مكانها في دفاتر الاستراتيجيات العسكرية ولكن بثوب جديد في " أسلحة نووية أصغر ، أقصر مدى ، وأكثر قابلية للإدخال في حسابات الحروب الإقليمية " ، وهذه هي النقطة الأكثر إثارة للقلق في الاستراتيجية التي يعمل " البنتاغون " على إعدادها تحت إشراف " إلبريدج كولبي " والتي تمنح الأسلحة النووية التكتيكية مساحة أكبر في التخطيط لصراعات محتملة مع روسيا أو الصين 

الا ان خلف هذه الاستراتيجية سؤال أعمق من السلاح نفسه وهو : ماذا يريد ترامب من عالم كهذا ؟ ، فترامب لا ينظر إلى القوة باعتبارها زينة على جدار السياسة الخارجية بل باعتبارها لغة تفاوض ، ففلسفته تقوم على أن السلام لا يحمى بالضعف وإنما بإقناع الخصم بأن كلفة المواجهة ستكون أكبر من قدرته على تحملها ، وهذا ينسجم مع العقيدة الأوسع لإدارته التي تضع " أمريكا أولا " وتربط الأمن بالقوة العسكرية والاقتصادية واستعادة القدرة الأمريكية على فرض شروطها ، أما كولبي فيذهب إلى طبقة أكثر عمقا من الحساب ، حيث يرى أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تكون شرطي العالم إلى الأبد وأن مواردها العسكرية ليست بلا نهاية ، ولذلك ينبغي إعادة توجيه مركز الثقل الأمريكي نحو " آسيا " حيث الصين هي التحدي الأكبر ، وقد ظهرت هذه الفكرة بوضوح في الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية الجديدة التي تركز على بناء قدرة ردع على امتداد سلسلة الجزر الأولى في المحيط الهادئ من " اليابان مرورا بتايوان والفلبين " مع مطالبة الحلفاء الآسيويين بتحمل عبء أكبر من الدفاع عن أنفسهم

لتدخل تايوان من هنا تحديدا إلى قلب الحكاية ، فهي ليست مجرد جزيرة في بحر الصين ، إنها النقطة التي يمكن أن يتحول عندها التنافس " الأمريكي / الصيني " من حرب إرادات إلى حرب فعلية ، فإذا قررت بكين تغيير الوضع القائم بالقوة فإن واشنطن ستواجه السؤال الأصعب وهو : كيف تردع الصين من دون أن تشعل حربا كبرى بين قوتين نوويتين؟ ، ولهذا يصبح السلاح النووي التكتيكي في التفكير الجديد أشبه بورقة تقول للصين : بأن الخيارات الأمريكية ليست محصورة بين الصمت أو حرب نووية شاملة ، الا أن المفارقة هي في أن هذه الورقة ذاتها قد تكون أخطر من الورقة التي تريد منعها ، فما تعتبره واشنطن "ردعا محدودا " قد تراه بكين بداية لحرب لا يمكن تحديد نهايتها ، أما روسيا فهي الوجه الآخر للمرآة ، فالحرب في أوكرانيا قد جعلت أوروبا تعيش من جديد تحت ظلال " الردع النووي " وأعادت إلى الذاكرة السياسية مفردات كانت تبدو قديمة مثل : الردع ، التهديد ، التوازن ، سباق التسلح ، والخوف من سوء التقدير ، ولذلك فإن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لا تأتي من فراغ ، إنها تأتي من عالم تتحرك فيه روسيا والصين أيضا لتطوير قدراتهما النووية والعسكرية ، الأمر الذي يعيد تشكيل الحسابات الأمريكية

ومن جهة أخرى هنالك " إيران " الحلقة التي تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن صراع واشنطن مع موسكو وبكين لكنها في الحقيقة جزء من الصورة ذاتها ، فالطالما تعامل ترامب مع الملف الإيراني بمنطق مختلف عن منطق الاحتواء التقليدي ، واضعا منع إيران من امتلاك سلاح نووي وتدمير قدراتها الصاروخية والبحرية في صلب أهداف حملته العسكرية عام 2026 ، لتصبح إيران بذلك بالنسبة إلى واشنطن اختبارا آخر لفلسفة " السلام عبر القوة " ، لكن : ماذا يحدث عندما تفشل الدبلوماسية؟ ومتى يتحول الردع إلى استخدام للقوة ؟ ومتى يصبح منع انتشار السلاح النووي سببا في استخدام القوة التي قد تفتح بدورها أبوابًا لصراعات أكبر؟ ، فالخيط الذي يصل " إيران بروسيا وتايوان والصين " ليس تحالفا واحدا بالضرورة ، وإنما فكرة واحدة وهي : العالم يتجه نحو مرحلة يصبح فيها امتلاك القوة العسكرية شرطا للدخول إلى غرفة التفاوض ، لنصل هنا إلى السؤال المخيف وهو : هل عادت الحرب الباردة؟

ليأتي الجواب ب : نعم .. ولكن ليس كما كانت ، فالحرب الباردة القديمة كانت عالما ذا قطبين واضحين " واشنطن وموسكو " وبينهما جدار أيديولوجي يفصل شرقا عن غرب ، أما الحرب الباردة الجديدة فهي أكثر فوضى ، ففيها الولايات المتحدة والصين وروسيا وتدخل فيها إيران ، وتتحرك عبرها الحروب بالوكالة ، والعقوبات ، والتكنولوجيا ، والذكاء الاصطناعي ، والحروب السيبرانية ، وسلاسل الإمداد ، والممرات البحرية ، فضلا عن الترسانة النووية ، لذلك فهي ليست عودة للماضي بل ولادة نسخة أكثر تعقيدا منه ، والأخطر أن الحرب الباردة القديمة كانت تعرف حدودا واضحة للرعب النووي ، أما العالم الجديد فيحاول أن يجعل السلاح النووي أكثر " قابلية للاستخدام " من خلال تقليص حجمه ومداه ، وهنا تكمن المأساة الفلسفية وهي : كلما حاول الإنسان أن يجعل الحرب النووية " محدودة " اقترب أكثر من وهم السيطرة عليها ، فالحرب لا تقرأ الخرائط كما يقرأها الجنرالات ولا تفهم النوايا كما يفهمها السياسيون ، حيث صاروخ واحد قد يغير الحسابات ، وخطأ واحد قد يفتح بابا لا يستطيع أحد إغلاقه 

ومن هنا تحديدا يأتي السؤال بصورته الأخرى ، ليس في مدى استعداد العالم لحرب باردة جديدة ؟ ، بل : في مدى تعلم العالم من الحرب الباردة القديمة ، أم أنه اليوم يعيد بناء الخوف نفسه بأسلحة أكثر ذكاء وحسابات أكثر تعقيدا وأعصاب أقل احتمالا للخطأ ؟ ، ففي نهاية المطاف لم تكن أخطر لحظات التاريخ تلك التي امتلك فيها العالم " القنابل النووية " ، بل تلك التي اقتنع فيها بأنه يستطيع امتلاكها دون أن يستخدمها .

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon