من غارباتيلا إلى حدود المتوسط.. ميلوني وسلطة ايطاليا المظللة خلف وهم الشعارات
دعاء هزاع الجابري
في السياسة لا يسقط الحاكم حين يعجز عن إقناع خصومه بل حين يعجز عن إقناع الشارع الذي حمله على أكتاف أحلامه ، فكل سلطة تبدأ من حي صغير قبل أن تصل إلى حدود وطن ، وكل زعيم يصعد من بين وجوه الناس يظل مدينا لأول الأزقة التي منحته الثقة قبل أن تمنحه الدولة المنصب الذي يحمله ، وعندما تتحول تلك الأزقة إلى شاهد على اتساع المسافة بين الوعد والواقع يصبح السؤال أكبر من السياسة وأعمق من الانتخابات ، إذ يغدو الحديث عن الوطن نفسه موضع مساءلة في : هل تبنى الأوطان بحراسة حدودها فقط ، أم بالوفاء للإنسان الذي يسكنها ؟ ، لتبدأ بذلك الحكاية من هنا حيث التناقض بين خطاب يرفع شعار حماية " إيطاليا " وواقع يطرح تساؤلات مؤلمة عن الحي الذي انطلقت منه " جورجا ميلوني " نحو السلطة
فالطالما جعلت جورجا ميلوني من الهجرة عنوانا لمشروعها السياسي ، ورفعت راية الدفاع عن إيطاليا حتى بدا للعالم أن الخطر كله يقف عند سواحل " البحر المتوسط " غير أن المفارقة الأكثر قسوة ليست في البحر بل في اليابسة ، وليست في المهاجر الذي يطرق أبواب إيطاليا بل في المواطن الذي فتح باب صوته الانتخابي ثم انتظر أن يعود إليه شيء من الوعود ، فلم يعد إليه سوى صدى الخطب
ففي " غارباتيلا " الحي الذي احتضن طفولة ميلوني وتشكلت فيه هويتها السياسية وصعدت منه إلى أعلى هرم السلطة ، لا يزال الواقع مرير ويطرح أسئلة موجعة عن الخدمات والتنمية ونوعية الحياة ،
لتتجسد أكثر صور السياسة مرارة في أن يصبح المكان الذي صنع الزعيمة آخر من يجني ثمار زعامتها ،
فأي مفارقة تلك التي تجعل حكومة تعبئ الرأي العام لحماية الحدود ، بينما يعجز كثير من أبناء حيها الأول عن رؤية حماية مماثلة لحقوقهم الأساسية ؟ وأي وطن هذا الذي ترسم حدوده على الخرائط بدقة بينما تتآكل حدوده الاجتماعية في الداخل؟ ، إن أخطر أشكال النفاق السياسي ليس أن يخطئ الحاكم فالأخطاء جزء من الطبيعة البشرية ، وإنما أن تتحول المعاناة الداخلية إلى مجرد خلفية باهتة أمام استعراض البطولة الوطنية ، فالوطنية التي تبحث عن عدو خارج الأسوار بينما تغض الطرف عن تصدعات الداخل ، ليست إلا وطنية " انتقائية " تختار ما يصلح للكاميرات أكثر مما يصلح للإنسان
ولهذا احاطنا الفيلسوف " جان جاك روسو " بالعقد بين الحاكم والمحكوم الذي لا يقوم على الخطابة بل على الوفاء ، وما إن ينكسر هذا العقد حتى تصبح السلطة مجرد سلطة لا رسالة ، ويصبح المواطن مجرد رقم في موسم الانتخابات لا شريكا في صناعة الوطن ، ومن هنا فإن الدولة التي تخشى المهاجر أكثر مما تخشى تراجع العدالة في أحيائها إنما تؤجل أزمتها ولا تعالجها ، فالجدران قد تمنع العابرين لكنها لا تمنع خيبة المواطنين ، والأسلاك الشائكة لا تستطيع أن تطوق شعور الناس بأنهم تركوا خلف شعارات مظللة
لذلك فإن " غارباتيلا " ليست مجرد حي في " روما " بل امتحان أخلاقي لكل خطاب سياسي يرفع اسم الوطن ، فإذا كان المكان الذي منح الثقة وصنع البدايات لا يزال ينتظر ثمار الوعود ، فإن السؤال لم يعد عن الهجرة بل عن معنى الوطنية نفسها ، حيث لا قيمة لوطن تحمى حدوده بالسفن بينما تترك أحياؤه تغرق في الانتظار ، ولا معنى لسياسة تتحدث باسم الشعب في المؤتمرات ثم تنسى ذلك الشعب عندما تغلق الكاميرات ، فالتاريخ لا يقيس الزعماء بعدد المهاجرين الذين أوقفوهم عند الحدود بل بعدد المواطنين الذين استطاعوا أن يمنحوهم سببا واحدا للإيمان بأن أوطانهم لم تخذلهم .