من أنقاض تشيرنوبيل إلى رهانات روما: حين تعيد الأزمات كتابة المحظورات
دعاء هزاع الجابري
قبل أربعين عاما دفنت " إيطاليا " مشروعها النووي تحت ركام الخوف الذي خلفته كارثة " تشيرنوبيل " وأغلق الإيطاليون عبر الاستفتاء الشعبي بابا ظنوا أنه لن يفتح مجددا ، غير أن الأخبار القادمة اليوم من روما تحمل مفارقة تستحق التأمل ، فجيل جديد من الشباب الإيطاليين بات أكثر تقبلا لفكرة العودة إلى الطاقة النووية بينما تمضي الحكومة في إعداد رؤية لإحياء هذا القطاع بعد أربعة عقود من القطيعة ، مدفوعةً بأزمات الطاقة والتحولات الجيوسياسية التي أعادت رسم أولويات أوروبا ، فليس الخبر في ذاته مجرد تحول في سياسة دولة بل هو إعلان صامت عن تحول أعمق في وعي الإنسان ، فحين تبدل الأمم قناعات بقيت لعقود من المسلمات ، فإنها لا تغير سياساتها فقط بل تعيد تعريف علاقتها بالخوف وبالذاكرة وبالمستقبل
فقد علمتنا كارثة تشيرنوبيل أن الذرة ليست مجرد مصدر للطاقة بل مرآة لغرور الإنسان حين يظن أنه أخضع الطبيعة لإرادته ، ومنذ ذلك اليوم لم تعد المفاعلات النووية منشآت صناعية كغيرها من المنشآت بل اصبحت رموزا للخوف الجمعي وشواهد على أن الحضارة قد تحمل في قلبها بذور فنائها ، غير أن الزمن ، ذلك الفيلسوف " الصامت " لا يحاكم الأشياء بمعيار الذاكرة وحدها بل بمعيار الحاجة أيضا ، لذلك حين دخل العالم عصر الأزمات المتلاحقة من تغير المناخ إلى اضطراب أسواق الطاقة ثم الحرب الروسية الأوكرانية وما تبعها من اهتزاز أمن الطاقة الأوروبي ، اكتشف الإنسان أن الخوف لا يختفي بل يغير وجهه ، فبعد أن كان يخشى الإشعاع اصبح يخشى انقطاع الكهرباء ، وبعد أن كان يرتعد من المفاعل أصبح يرتعد من برد الشتاء ومن فواتير الطاقة التي أثقلت كاهل المجتمعات
ومن هنا تبدل السؤال ، حيث لم يعد السؤال : هل الطاقة النووية خطر؟ بل أصبح : هل يمكن للعالم أن يستغني عنها ؟ ، وهنا تكمن المفارقة الفلسفية الكبرى ، فالإنسان لا يغير قناعاته لأن الحقيقة تبدلت بل لأن الواقع أعاد ترتيب أولوياته ، فالأزمات ليست مجرد أحداث عابرة بل هي قوة تعيد تشكيل سلم القيم وتجعل المحظور قابلا للنقاش ، وما كان يعد مخاطرة بالأمس يبدو اليوم خيارا أقل كلفة من البدائل ،
ولذلك فإن تقبل شريحة من الشباب الإيطالي للطاقة النووية لا يعكس نسيانا " لتشيرنوبيل " بقدر ما يعكس ولادة جيل لم يعش الكارثة لكنه يعيش أزمات أخرى أكثر حضورا في يومه ، أزمات جعلت الذرة التي كانت رمزا للخطر تبدو في نظره رمزا للاستقلال الطاقوي والاستقرار الاقتصادي وتقليل الانبعاثات الكربونية، قد ينظر إليها البعض على إنها مصالحة مع الذرة لكن بالنظر اعمق الموضوع سندرك بان ما هي إلا مصالحة مع الضرورة
ليبقى السؤال الأخلاقي معلقا فوق ضمير البشرية ب : هل ينبغي أن تدفعنا الأزمات إلى إعادة الثقة بما كنا نعده خطرا ؟ أم أن الحضارة كلما ضاقت بها السبل تعود لتراهن على القوة ذاتها التي كانت تخشاها ؟ ، فالحقيقة هنا تكمن بأن الذرة لا تحمل في ذاتها وعدا بالحياة ولا حكما بالموت فهي لا تعرف سوى قوانين الفيزياء ، أما الخير والشر والسلام والدمار فكلها قرارات بشرية ، لذلك فإن مستقبل الطاقة النووية لن تصنعه المفاعلات بل سيصنعه الإنسان نفسه ، بقدر ما يمتلك من حكمة توازي ما يمتلكه من علم ، لتثبت لنا الأزمات بذلك مرة بعد أخرى أنها لا تغير خرائط السياسة والاقتصاد بموقعها الجغرافي بل تعيد تشكيل ذاكرة الإنسان وتدفعه إلى العودة نحو الأبواب التي أغلقها بالأمس ، لا لأنه نسي ما حدث بل لأنه أدرك أن البقاء في كثير من الأحيان يبدأ من إعادة التفاوض مع مخاوفه .