ما بعد فولكسفاغن : الاقتصاد الالماني صناعة تتراجع ومدن تدفع الثمن
دعاء هزاع الجابري
في ألمانيا لا تقاس المدن بعدد سكانها ومساحاتها بل بعدد المصانع التي كانت تنير ليلها ، وبالآلات التي علمت الزمن كيف يمشي بانتظام ، هناك حيث كان الحديد يصاغ كقدر وحيث كانت الدقة عقيدة لا تناقش ، نشأت حضارة كاملة على وعد صامت في ان " العمل يحمي ، والإنتاج يمنح المعنى ، والمستقبل يبنى قطعة قطعة " ، لكن في الآونة الأخيرة اصبح الصمت أعلى من هدير الماكينات ، صمت يتسلل إلى الأحياء الصناعية ويترك في الهواء سؤالا معلقا لا يجرؤ أحد على تسميته ب : ماذا يحدث للمدينة حين تتوقف عن الحلم بالمصنع ؟ وماذا يبقى من وطن حين يبدأ عموده الفقري بالتآكل ببطء دون انهيار درامي ودون إنذار واضح ؟ ، أن هذه ليست حكاية أرقام تتراجع ، ولا تقارير اقتصادية باردة بل سيرة قلق يتشكل في قلب القاطرة الأوروبية ، قلق يشبه لحظة تردد قبل العتمة حين تدرك القوة أنها لم تعد محصنة ، وحين يصبح السؤال عن الغد أثقل من كل ما أنجز بالأمس
فلطالما وصفت ألمانيا بأنها قاطرة أوروبا الاقتصادية ، هذه الدولة التي لا يختل إيقاع مصانعها ولا تهدأ ماكيناتها ، حيث يقاس الزمن بها بدوران العجلات لا بتقلبات السياسة ، غير أن هذه القاطرة في السنوات الأخيرة بدأت تصدر أصواتا غير مألوفة ، أصوات احتكاك ثقيل توحي بأن شيئا ما في قلب الصناعة الألمانية لم يعد يعمل كما كان ، ففي العمق الصناعي للبلاد حيث نشأت مدن كاملة على إيقاع الفولاذ والمحركات بدأت ملامح التراجع تظهر بوضوح ، فقطاع صناعة السيارات الذي شكل لعقود العمود الفقري للاقتصاد الألماني ورمز تفوقه التكنولوجي بات اليوم في مواجهة عاصفة مزدوجة مكونة من " منافسة صينية شرسة تعيد رسم خريطة السوق العالمية ، وتحول متسارع نحو السيارات الكهربائية " مما أدى إلى أرباك شركات لم تحسن قراءة سرعة التحول ولا كلفته الحقيقية ، الا أن هذا التراجع لم يكن وليد عامل واحد دون غيره بل نتاج تراكم أخطاء وضغوط عدة ، حيث ان ارتفاع تكاليف الطاقة والإنتاج وتعقيد القوانين الصناعية جعلا من التصنيع داخل ألمانيا عبئا أثقل مما هو عليه في دول منافسة ، أضف إلى ذلك تقلص الطلب في الأسواق الخارجية الكبرى مثل " الصين والولايات المتحدة " وما صاحب ذلك من رسوم جمركية واختناقات تجارية ، لتكتمل صورة الضغط الخانق على المصانع بذلك ، ولعل المثال الأكثر رمزية هو ما حدث مع " فولكسفاغن " ، الاسم الذي ارتبط بالهوية الصناعية الألمانية ذاتها ، فعند إغلاق مصنع " دريسدن" للمرة الأولى منذ 88 عاما لم يكن مجرد قرار إداري ناتج عن ضعف الطلب بل إشارة صادمة بأن حتى الرموز التاريخية لم تعد محصنة ، ومع خطط تقليص الإنتاج وخفض العمالة في مصانع أخرى بدا المشهد وكأن العملاق الصناعي بدأ يخفف من ثقله كي لا يغرق بالكامل ، غير أن أثر هذا التراجع لا يتوقف عند أسوار المصانع ، فحين تتباطأ خطوط الإنتاج وتتآكل الوظائف يضيق دخل العائلات في المدن الصناعية التي قامت حياتها على الاستقرار الوظيفي ، وحين تتعثر الشركات الكبرى تتساقط معها الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد عليها فتختل ميزانيات المدن التي تعيش أساسا على الضرائب الصناعية ، وهنا يتحول الركود الاقتصادي إلى أزمة اجتماعية صامتة تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية دون ضجيج
صحيح أن بعض الخبراء يقللون من سيناريو " انهيار المدن " ويرون به مبالغة ، إلا أن المؤشرات تنذر بصعوبات مالية حقيقية لمناطق صناعية بأكملها ، إن لم تقابل بإصلاحات عميقة وجريئة إصلاحات تعيد النظر في سياسات الطاقة وتبسط القوانين وتدعم التحول الصناعي ، لا شكليا بل فعليا قبل أن يصبح التأخر عبئا لا يحتمل ، فألمانيا اليوم تقف عند مفترق طرق : إما أن تحسن قراءة اللحظة وتعيد ضبط بوصلتها الاقتصادية بما يخدم المواطن أولا ، أو تستمر في حسابات سياسية تراكم الأخطاء تحت ذريعة المصالح الخارجية ، فتلك هي " غلطة الشاطر بألف " ، حين يدار الاقتصاد بعقل استراتيجي بعيد عن نبض الناس في بلد عرف تاريخيا بأنه لا يترك مواطنيه وحدهم في مواجهة العواصف
إنها ليست نهاية القصة ، لكنها بالتأكيد صفحة ثقيلة في كتاب القاطرة الأوروبية ، صفحة تكتب بقلق ويرجى أن يختم سطرها الأخير بإصلاح قبل أن تتحول الأزمة من اختبار مؤقت إلى قدر طويل الأمد ، لكن السؤال الذي يبقى معلقا وأثقل من كل الأرقام والتقارير ، هو : هل ما تعيشه ألمانيا اليوم مجرد أزمة دورية في اقتصاد اعتاد النهوض من العثرات ؟ ، أم أنه شرخ أعمق في الفكرة ذاتها التي قامت عليها الدولة الصناعية النموذج ؟ ، فعندما تغلق المصانع لا تطفأ الآلات فقط بل تطفأ معها ذاكرة مدن كاملة ووعود قطعت لجيل آمن بأن العمل وحده كفيل بحمايته من الهشاشة ، وعندما تصبح الكفاءة عبئا والانضباط رفاهية ، يعاد تعريف القوة لا باعتبارها إنتاجا بل باغتبارها قدرة على التكيف مع عالم لا يعترف بالثوابت
ربما لن تنهار المدن غدا ، وربما ستظل القاطرة تسير ، لكن السؤال الأشد قسوة هو : إلى أين؟ وهل لا يزال المسار يرسم بيد المواطن ، أم أن القرارات اصبحت تصاغ في غرف بعيدة لا تسمع صدى المصانع حين تصمت ؟ ، ففي لحظة كهذه لا يبدو الخطر في الخسارة الاقتصادية وحدها بل في الاعتياد عليها ، لأن الأمم لا تسقط حين تخطئ بل حين تقنع نفسها أن الخطأ اصبح هو القاعدة الثابتة ، ومن هنا تقف ألمانيا لا كقوة اقتصادية بل كفكرة أمام اختبار وجودي في إما أن تعيد تعريف التقدم بوصفه حماية للإنسان قبل السوق ، أو تكتشف متأخرة أن القاطرة التي أبهرت أوروبا يوما كانت تسير دون أن تنتبه نحو فراغ بلا محطة .