بين رسائل مظلوم عبدي وخطوات ماكرون: دمشق وعودة الانتداب الفرنسي بثوب الدبلوماسية
دعاء هزاع الجابري
إن للتاريخ دوما سننا لا تحيد ، فهو لا يعود بالأسماء ذاتها بل يعود بالأفكار نفسها مرتديا أثوابا جديدة ، فحين تتحرك القوى الكبرى نحو الجغرافيا التي غادرتها يوما فإنها لا تعود بدافع الحنين إلى الماضي بل بدافع المصالح التي لا تموت ، لتأتي لنا بذلك زيارة الرئيس الفرنسي " إيمانويل ماكرون " إلى دمشق التي لا تبدو مجرد محطة دبلوماسية عابرة بقدر ما تبدو مفتاحا لمرحلة جديدة تتجاوز سوريا نفسها لتطال شكل التوازنات في الشرق الأوسط بأسره ، فليست السياسة دائما ذلك الوجه الجامد الذي يظهر على شاشات الأخبار ، وليست الزيارات الرئاسية مجرد مصافحة أمام عدسات الكاميرات للاشادة بها ، فالدول الكبرى لا تسافر من أجل التقاط الصور ولا تحرك رؤساءها بدافع المجاملة ، وإنما تحركهم يبدأ حين تستيقظ " المصالح " ويهمس التاريخ في آذان الجغرافيا بأن وقت العودة قد حان
فقبل أن تحط الطائرة الفرنسية في دمشق ، كانت رسائل قائد قوات سوريا الديمقراطية " مظلوم عبدي " قد سبقتها إلى قصر " الإليزيه " حاملة معها ما يشبه خارطة طريق لمخاوف شمال شرق سوريا وتطلعاته ، حيث تلك الرسائل لم تكن مجرد تواصل سياسي كغيره بل محاولة لوضع الملف الكردي على طاولة القرار الفرنسي قبل أن تبدأ الزيارة ، في مشهد يعكس أن ما يجري خلف الأبواب المغلقة لا يقل أهمية عما يقال أمام وسائل الإعلام ، لذلك فإن زيارة ماكرون لا يمكن فصلها عن محاولة أوسع لإعادة تموضع فرنسا داخل المشهد السوري وإحياء دور أوروبي أكثر فاعلية في مرحلة تتغير فيها خرائط النفوذ ، إلى جانب أن هذا التحرك يأتي ضمن شبكة علاقات إقليمية معقدة ، حيث تتقاطع المصالح وتتنافس القوى بما في ذلك العلاقة مع " إيران " دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود اصطفافات ثابتة بل مسارات تتشكل وفق مقتضيات اللحظة السياسية
فلقد أخطأ من ظن أن " الوصاية الفرنسية " على سوريا انتهت يوم ارتفع علم الاستقلال ، لأن الدول الاستعمارية لا تغادر ذاكرتها الجيوسياسية بمجرد توقيع اتفاق أو خروج آخر جندي ، هي فقط تغادر المشهد لكنها لا تغادر الحسابات ، نعم تختفي عن المسرح لكنها تبقى خلف الستار تراقب توقيت العودة ،
فالنفوذ ليس دائما دبابة تعبر الحدود ولا بارجة ترسو على السواحل بل قد يكون سفيرا يبتسم ، أو اتفاقا يوقع ، أو مبادرة سياسية تبدو في ظاهرها إنسانية بينما تخفي في عمقها إعادة رسم لموازين القوة ، وهكذا تعمل الإمبراطوريات دوما في التخطيط من وراء الستار ، فهي لا تموت وإنما تغير لغتها وأدواتها وأقنعتها كيفما اقتضت المصلحة وزمانها ، ولذلك فإن أول زيارة لرئيس فرنسي إلى دمشق بعد سنوات القطيعة ليست مجرد صفحة جديدة في العلاقات الثنائية بل مؤشرا على أن فرنسا قررت العودة إلى الملف السوري بثقة أكبر ، وأن أوروبا بدأت تدرك أن الغياب الطويل عن سوريا لم يلغ أهمية موقعها في معادلات الشرق الأوسط ، بل أن هذا الحراك في طياته أكثر مما يظهر على سطحه ، لأن السياسة لا تكشف نواياها دفعة واحدة وإنما تترك للأحداث مهمة تفسيرها وللزمن مسؤولية إثباتها ، وما يبدو اليوم خطوة دبلوماسية سيتضح غدا أنه كان بداية مشروع سياسي أوسع تتشابك فيه المصالح الدولية والإقليمية بصورة أكثر تعقيدا مما ظنه كثيرون
لإن التاريخ لا يكرر نفسه بالحروف ذاتها لكنه يعيد إنتاج المعاني بأدوات مختلفة ، وسوريا التي كانت يوما ساحة للانتداب ، ما زالت حتى اليوم ساحة للتنافس على النفوذ وإن تبدلت الأسماء وتغيرت الوسائل ،
ولهذا أقول إن الأبواب في السياسة لا تطرق سهوا وإنما تطرق عن عمد وعن قصد وعن معرفة دقيقة بما يوجد خلفها ، وكل من يعتقد أن تلك الأبواب تفتح بالمصادفة يغفل أن الدول الكبرى لا تؤمن بالمصادفات بل تصنعها ، والأيام القادمة وحدها ستكون صاحبة الكلمة الأخيرة ، فهي الكفيلة بأن تثبت أن بعض الزيارات لا تبدأ من المطار بل من خرائط رسمت في الغرف المغلقة ، وأن بعض الأبواب لا تطرق إلا عندما يكون من يقف خلفها قد قرر أن ساعة الدخول قد حانت .