11 June - 19 July 2026
00 days
00 hours
00 mins
00 secs

أرمينيا بعد كاراباخ: حين تصبح الأرض سؤالا

أرمينيا بعد كاراباخ: حين تصبح الأرض سؤالا

دعاء هزاع الجابري

2026-07-02T09:06:13+00:00

ليست أرمينيا مجرد رقعة جغرافية على هامش القوقاز ، بل اختبار قاس لمعنى الهوية حين توضع في مواجهة الخرائط ، ففي ارمينيا حيث تتقاطع الجبال مع الذاكرة يعيش شعب يحمل تاريخا أقدم من الدول الحديثة ، لكنه يجد نفسه مرارا محاصرا بقرارات لم يشارك في صنعها ، فالصراع الذي أحاط بها لم يكن يوما حدثا عابرا في نشرات الأخبار بل مسارا طويلا من الانكسارات المؤجلة ، التي تختزل فيه أسئلة الأرض والانتماء ، والسيادة والوجود ، ففي " ناغورنو-كاراباخ " لم تتصارع دولتان فقط بل تصادمت رؤيتان للعالم في " ذاكرة تبحث عن الاعتراف ، وحدود تسعى إلى الثبات " ومن بين هذا التصادم تشكلت مأساة لم تغير شكل الأرض وحده ، بل أعادت تعريف الحياة نفسها داخل أرمينيا 

لطالما كانت أرمينيا دوما ذاكرة قديمة تمشي على أرض متحركة ، قبل أن تأتي خرائط القرن العشرين وتفرض عليها معنى جديدا للحدود والانتماء ، فحين كانت أرمينيا جزءا من الاتحاد السوفييتي لم يكن الصمت دليل سلام ، بل نتيجة قسر مؤقت ، ففي عام 1923م ، اتخذ " ستالين " قرارا إداريا بدا بسيطا على الورق ، لكنه كان زلزالا في الوجدان وهو : إلحاق إقليم " ناغورنو-كاراباخ " ذي الغالبية الأرمنية بجمهورية " أذربيجان السوفييتية " ومنذ تلك اللحظة لم يعد الإقليم مجرد أرض ، بل سؤالا مفتوحا في قلب القوقاز ، فلقد ظل النزاع مجمدا تحت قبضة الدولة السوفييتية كجرح مخيط دون علاج ، وحين انهار الاتحاد عام 1991م ، انفجرت الذاكرة المكبوتة وتحولت التوترات إلى حرب مفتوحة ، وفي أواخر الثمانينات وبدايات التسعينات ، اشتعلت الحرب الأولى بين أرمينيا وأذربيجان ، بتدخلات قوى كبرى وعلى رأسها روسيا ، وانتهت الحرب بوقف إطلاق نار لا بحل ، وبسلام هش لا يثق به أحد 

لقد مرت السنوات وبقي الإقليم معلقا بين واقع السيطرة الأرمنية وغياب الاعتراف الدولي ، ثم عاد التاريخ ليطرق الباب بقسوة في عام 2020م ، حين اندلعت الحرب الثانية ، والتي كانت حربا قصيرة زمنيا لكنها عميقة الأثر ، وانتهت بتغيير موازين القوى ، وبتدخل روسي فرض وقفا مؤقتا للنار لا أكثر ،

غير أن المأساة لم تتوقف هنا ، ففي أواخر 2022م وأوائل 2023م ، أغلق الطريق البري الوحيد الذي يربط أرمينيا بكاراباخ ، ولم يكن الإغلاق مجرد إجراء عسكري بل حصارا للعيش نفسه من ناحية " الغذاء ، الدواء ، الأمل " ثم جاء سبتمبر 2023م ، حين شنت أذربيجان هجوما حاسما سيطرت بعده فعليا على الإقليم وتحول عشرات الآلاف من الأرمن إلى لاجئين داخل وطنهم القومي ، وفي الأول من يناير 2024م ، أعلن حل ما كان يعرف بجمهورية " ناغورنو-كاراباخ " ، الكيان الذي لم يعترف به دوليا يوما لكنه كان بالنسبة لسكانه معنى للوجود ، أن جوهر الصراع لم يكن يوما مجرد نزاع حدود ، إنه تصادم بين رؤيتين للعالم في " حق تقرير المصير كما يراه الأرمن ، ووحدة الأراضي والسيادة كما تراها أذربيجان " وفي العمق عكس ذلك الصراع هشاشة القوقاز نفسه ، تلك المنطقة التي رسمت حدودها بقرارات إمبراطورية بينما بقيت الهويات أقدم من الخرائط وأقسى من القوانين 

ومع مرور العقود تشابكت العوامل العرقية والتاريخية والجغرافية بالجيوسياسة ، ودخلت قوى كبرى على الخط وهي " روسيا ، تركيا ، إسرائيل " وكل واحدة منهن بميزانها ومصالحها ، بينما ظل الحل السلمي الدائم بعيدا مؤجلا ، كأنه وعد لا يملك أحد شجاعة الوفاء به ، لكن التأثير الأعمق لم يكن في البيانات ولا في خرائط السيطرة ، بل في الحياة اليومية داخل أرمينيا ، فقد تحول الصراع من حدث عسكري إلى حالة وجودية ، أصاب الوعي الجمعي بصدمة عميقة ، خصوصا بعد عام 2020م و2023م ، حيث ساد الشعور بالخسارة والانكسار ، وتزعزعت الثقة بالمستقبل وبالحماية الدولية ، وعاد شبح الهوية المهددة بقوة ، فالأرمني اليوم يعيش بين ذاكرة الإبادة القديمة وخوف التهجير الحديث ، بين تاريخ لم يلتئم وجغرافيا لا تطمئن ، فلم يعد الأمان أمرا بديهيا حتى في أكثر تفاصيل الحياة المدنية بساطة 

ومع تدفق عشرات الآلاف من نازحي كاراباخ إلى داخل أرمينيا ازدادت الضغوط على السكن والخدمات والعمل ، حيث الفقر تمدد ، والاندماج النفسي بات أصعب من إيجاد بيت ، فهؤلاء لم يفقدوا أرضا فقط بل فقدوا سياق حياتهم ، واسم المكان ، وإحساس الاستمرارية ، حتى اصبحت المدن الأرمنية ملاجئ للذاكرة المكسورة أكثر منها فضاءات للاستقرار ، ولقد دفع المجتمع ثمن الحرب اقتصاديا ببطء قاس من خلال الإنفاق العسكري المتزايد والتراجع في الاستثمار واعتماد أكبر على الخارج ، بواقع يومي يشعر به المواطن في ارتفاع الأسعار ، ضيق الفرص ، وضبابية مستقبل الشباب ، أما سياسيا فقد عمق الصراع الانقسام الداخلي بتبادل للاتهامات ، تآكل الثقة بالمؤسسات ، واحتجاجات متزايدة تعكس شعورا عاما بأن القرار الوطني لم يعد مستقلا تماما 

أن السياسة في أرمينيا اليوم تدار تحت سؤال ثقيل ب : كيف نحمي ما تبقى؟ ، جراء خيبة أمل من الحلفاء ، خوف من العزلة ، وقلق من أن تتحول أرمينيا إلى دولة صغيرة محاصرة ، لا فقط بالجغرافيا بل بالخيارات المحدودة ايظا ، فالصراع لم يغير حدودا فحسب بل غير معنى الحياة نفسها ، فبات الأرمني يعيش وهو يدرك أن الأرض قد تفقد والتحالفات قد تخون ، لكن الهوية إن انكسرت يصعب ترميمها 

 

فالمشهد في أرمينيا في الوقت الحالي يظهر المدن وكأنها تحتضر بصمت بشوارع خافتة الضوء ، وبيوت هجر سكانها من " ناغورنو‑كاراباخ " والتي تحن لخطوات لم تعد تأتي ، ان كل حجر هناك يروي حكاية فقدان وكل نافذة تحدق في فراغ يئن تحت وطأة الغياب ، فالناس يمشون متثاقلين ، محملين بذاكرة تهتز بين الانكسار والمقاومة ، وكأن الأرض نفسها تهمس لهم : كنتم هنا ، لكنكم لن تبقوا كما كنتم ، حتى السماء ذات اللون الرمادي البارد اصبحت تبدو كشاهدة على مأساة لا تنتهي على شعب يجد نفسه محاصرا بين الخوف من المستقبل وحنين إلى الماضي الذي لا يعود في كل زقاق وكل حانة صغيرة وفي كل حديقة مهجورة ، هاهو الأرمني اليوم يعيش صراعا داخليا أكبر من الحرب ، صراعا مع الأرض ، مع الهوية ، ومع ما تبقى من حلم أن يبقى للأرمن مكان في هذا العالم القاسي .

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon