11 June - 19 July 2026
00 days
00 hours
00 mins
00 secs

سقوط المحرمات في زمن الحروب

سقوط المحرمات في زمن الحروب

دعاء هزاع الجابري

2026-07-05T19:31:40+00:00

في كل حرب لا تدفن " الألغام " تحت التراب وحده بل تدفن معها قطعة من ضمير الإنسانية ايظا ، وما إن تعود هذه الأسلحة إلى واجهة المشهد ، حتى يتبين أن الحروب لا تغير الخرائط بجغرافيتها بل تعيد تشكيل المبادئ التي ظن العالم أنها أصبحت جزءا من الماضي ، واليوم بينما تعيد أوروبا النظر في استخدام " الألغام المحظورة " لا يبدو الأمر مجرد مراجعة لخيارات عسكرية بقدر ما هو انعكاس لتحول عميق في فلسفة الأمن ، حيث يتراجع صوت القانون أمام صخب المخاوف ويصبح السؤال الأكثر إلحاحا من أي وقت مضى هو : هل تستطيع الحضارات أن تحمي نفسها دون أن تتخلى عن القيم التي قامت عليها؟

فالألغام المضادة للأفراد هي التعبير الأكثر قسوة عن " فلسفة الخوف " إذ يتحول فيها المكان الذي خلق ليكون مأوى للحياة إلى شريك في صناعة الموت ، وهذا تحديدا ما دفع المجتمع الدولي إلى تحريمها ، إدراكا بأن الحروب مهما بلغت ضراوتها ينبغي ألا تمتد لتلاحق الأبرياء بعد أن تصمت المدافع ، غير أن ما تشهده أوروبا اليوم من إعادة النظر في هذا السلاح يكشف أن الخوف قادر على إعادة تشكيل المبادئ ، وأن الأمن حين يصبح هاجسا وجوديا قد يدفع الدول إلى مراجعة ما كانت تعده يوما من المحرمات ، فلقد فرضت الحرب " الروسية الأوكرانية " واقعا استراتيجيا جديدا أعاد إلى الواجهة هواجس الحدود والردع والتسلح بعد عقود من الاعتقاد بأن القارة الأوروبية قد تجاوزت زمن الحروب التقليدية ، ومع تصاعد المخاوف الأمنية من ذلك بدأت بعض الدول تنظر إلى الألغام لا بوصفها انتهاكا للقانون الإنساني بل وسيلة دفاع تفرضها ضرورات الجغرافيا وتقلبات السياسة ، وهنا تحديدا تكمن المفارقة بذلك ، فالحضارة التي جعلت من حقوق الإنسان أحد أهم أعمدة خطابها السياسي تجد نفسها اليوم مضطرة إلى إعادة فتح ملف سلاح كانت من أوائل المطالبين بحظره 

غير أن هذه القضية تتجاوز حدود السلاح ذاته لتطرح سؤالا أعمق حول طبيعة النظام الدولي في هذه المرحلة ، فحين تبدأ الدول بالتراجع عن التزاماتها الأخلاقية تحت ضغط المخاوف الأمنية فإن ذلك لا يعكس تبدلا في العقيدة العسكرية وحدها بل يكشف عن تصدع أصاب اليقين الذي حكم العالم بعد الحرب الباردة ، فالألغام ليست أخطر ما يعود اليوم وإنما الأخطر هو عودة الاعتقاد بأن الأمن لا يتحقق إلا بتوسيع دائرة التهديد وأن السلام يصان بزرع احتمالات الموت ، فلقد أثبت التاريخ أن الحضارات لا تختبر في أوقات الرخاء بل في اللحظات التي تتصارع فيها المبادئ مع ضرورات البقاء ، ليصبح السؤال الحقيقي هنا : هل تستطيع الإنسانية أن تحافظ على قيمها وهي تواجه الخطر ، أم أن الخوف سيظل القوة الوحيدة القادرة على إعادة كتابة القوانين؟ ، فأهمية الإجابة لا يكمن في عدد الألغام التي تزرع على الحدود بل في عدد المبادئ التي تقتلع من ضمير العالم كلما اقترب شبح الحرب

نعم فقد تؤمن الألغام حدود الدول لكنها لا تستطيع أن تحمي حدود الضمير الإنساني ، فالتاريخ لا يتذكر فقط من انتصر في الحروب بل يتذكر أيضا الثمن الذي دفع من أجل ذلك الانتصار ، وحين يصبح الخوف مبررا لإحياء الأسلحة التي رفضها العالم باسم الإنسانية فإن القضية لا تعود قضية " لغم مدفون " في الأرض بل مبدأ يدفن في الوعي ، ليبقى السؤال بذلك معلقا أمام العالم ب : إذا كان الأمن لا يتحقق إلا بالعودة إلى أكثر أدوات الحرب قسوة ، فهل نحن نتقدم نحو مستقبل أكثر استقرارا ، أم نعود بخطى واثقة إلى الماضي الذي ظننا أننا تجاوزناه يوما؟

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon