حين تخاف السلطة من الأرقام : البنتاغون .. السر الخفي للحرب الأمريكية مع إيران
دعاء هزاع الجابري
في الحروب لا تموت الحقيقة دائما تحت " الأنقاض" فأحيانا تموت في جداول البيانات ، وهذا ما يجعل الجدل الدائر حول خسائر الجيش الأمريكي في الحرب مع إيران أكثر خطورة من مجرد خطأ تقني في موقع إلكتروني تابع " للبنتاغون " ، فالأرقام العسكرية ليست مجرد إحصاءات باردة بل هي اللغة التي تقيس بها الدول ثمن قراراتها ، والمرآة التي يرى من خلالها المواطن ما إذا كانت الحرب التي تخاض باسمه تستحق ما يدفع فيها من دم ومال ووقت
فقد تحدثت الأرقام الرسمية الأمريكية عن 18 عسكريا قتلوا ونحو 482 أصيبوا خلال الحرب ، ثم ظهر رقم مختلف بصورة مفاجئة وهو 14 قتيلاً و420 مصابا ، وأربعة جنود اختفوا من خانة خسائر الحرب قبل أن يعودوا لاحقا في تصنيف جديد تحت مسمى " العمليات الخارجية " ، قد يكون تفسير البنتاغون في ذلك تقنيا وقد يكون مرتبطا بإعادة تصنيف العمليات بعد استئناف القتال في يوليو ، لكن السياسة لا تقاس بالنوايا وحدها بل بما تراه الشعوب أمامها ، لذلك فالسؤال هنا ليس : هل اختفى الجنود؟ ، فهم لم يختفوا ، لكن السؤال الأكثر قسوة هو : لماذا اختفت أسماؤهم مؤقتا من الحرب التي ماتوا فيها ؟
ثم جاءت المفارقة الأكبر ، فبينما كانت قاعدة البيانات العسكرية متأخرة عن الواقع ، كان متحدث البنتاغون يتحدث عن قرابة مئة عسكري أصيبوا منذ استئناف القتال ، وبعد ذلك كشفت التحديثات اللاحقة أن عدد المصابين في مجمل الحرب تجاوز ستمئة واقترب في بعض التحديثات من سبعمئة عند جمع التصنيفات المختلفة ، ليظهر لنا من بين ذاك كله بأن الأمر هنا لا يعود متعلقا بمشكلة موقع إلكتروني بل يتعلق بثقافة سياسية كاملة ترى أن الحرب يمكن أن تدار عسكريا في الميدان ، وإعلاميا في واشنطن ، ورقميا على شاشات الجمهور ، والأخطر في ذلك هو أن " المصاب " نفسه لم يعد رقما بسيطا ، فالكثير من الإصابات ارتبطت بانفجارات وصدمات دماغية ، وهي إصابات قد تبدو في التقارير العسكرية " خفيفة " لكنها قد تترك آثارا عصبية ونفسية طويلة الأمد
الا أن الجرح الأمريكي لا يقف عند حدود الجسد ، فصور الأقمار الصناعية قدمت صورة أخرى للحرب ، إذ خلص تحليل لصحيفة " واشنطن بوست " إلى أن الضربات الإيرانية ألحقت أضرارا بما لا يقل عن 228 منشأة أو قطعة من المعدات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط ، بما في ذلك منشآت وقود ورادارات وحظائر ومعدات دفاعية واتصالات ، ثم بعد ذلك جاءت كلفة لا تظهر في قوائم القتلى والمصابين وهي " كلفة الذخيرة " ، فبحسب " رويترز " استهلكت الولايات المتحدة خلال أشهر الحرب معظم مخزونها العالمي من بعض الصواريخ بعيدة المدى مع تقديرات تشير إلى استنزاف نحو 65% من صواريخ باتريوت و38% من مخزون ثاد ، إضافة إلى استهلاك كبير لصواريخ توماهوك ، لتكتشف لنا المفارقة الكبرى من هنا بأن القوة العظمى قد تستطيع أن تخفي جرحا في جدول ، لكنها لا تستطيع بسهولة أن تخفي أثر الحرب على مخازنها الاستراتيجية
إن الحرب التي قيل إنها ستكون قصيرة والتي رسمت أمام الجمهور باعتبارها انتصارا عسكريا حاسما ، ما زالت بعد أشهر تستهلك الجنود والذخائر والمال والقدرة السياسية ، وقد طلبت الإدارة الأمريكية عشرات المليارات الإضافية لتغطية كلفة الحرب ، بينما تقول تقارير صحفية إن الوصول إلى المعلومات التفصيلية عن مسارها وخسائرها أصبح أكثر صعوبة ، ليصبح هنا السؤال أكبر من البنتاغون نفسه في : من يملك حق تعريف الحقيقة في زمن الحرب؟ ، هل هي وزارة الدفاع؟ أم الصور القادمة من الأقمار الصناعية؟ ، أم الصحافة الاستقصائية؟ أم الجندي الذي عاد من الانفجار ولا تزال ذاكرته ترتجف كلما سمع صوتا يشبه الصاروخ؟ ، فالديمقراطية لا تختبر فقط عندما تعلن الدولة الحرب وإنما عندما يسمح لمواطنيها بمعرفة ثمنها ، لان السلطة التي تقول لشعبها : لقد انتصرنا ، مطالبة أيضا بأن تقول له : كم دفعنا ؟ وكم جنديا عاد مصابا ؟ ، كم قاعدة تضررت ؟ وكم صاروخا استهلك ؟ وكم بقي في المخازن إذا اندلعت غدا حرب أخرى؟
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في الحرب ليس أن تخسر الدولة معركة بل أن تخسر قدرتها على الاعتراف بالخسارة ، عندها تتحول الأرقام من أدوات للشفافية إلى أدوات للسلطة ، وتتحول الحقيقة من حق عام إلى رواية رسمية ، ولهذا فإن المعركة الحقيقية التي تدور حول خسائر الجيش الأمريكي في الحرب الإيرانية ليست معركة بين رقم وآخر بل هي معركة على سؤال أعمق وهو : هل تستطيع الديمقراطية أن تنظر في مرآة الحرب دون أن تخفض عينيها ؟ ، فالجندي الذي يدفع الثمن لا يموت في خانة إحصائية ، والجرح الذي تصفه البيانات بأنه " بسيط " قد يبقى في جسد إنسان سنوات ، أما الدولة التي تخشى الرقم فإنها لا تخشى الحساب بمعناه بل تخشى اللحظة التي يتحول فيها الحساب إلى سؤال سياسي ، فحين يصبح السؤال : لماذا ذهبنا إلى الحرب؟ ، فإن كل رقم ناقص يصبح شاهدا ، وكل اسم غائب يصبح سؤالا ، وكل صمت رسمي يتحول إلى جزء من القصة
نعم الحرب تنتهي يوما
لكن الحقيقة التي حاولت السلطة تأجيلها لا تنتهي ابدا .