المواطن العراقي... أيُّ درجةٍ في وطنه؟
د. ضحى السدخان
ليس السؤال اليوم: هل يملك العراق ثروات؟ فالإجابة معروفة؛ العراق من أغنى دول العالم بالنفط والموارد الطبيعية. لكن السؤال الحقيقي هو: هل يشعر المواطن بأن هذه الثروات انعكست على حياته؟ وهل نجحت الدولة في أداء وظيفتها الأساسية التي وجدت من أجلها؛ وهي حماية الإنسان، وتأمين السكن، وتوفير العمل، وضمان العيش الكريم؟
لقد كفل دستور جمهورية العراق لسنة 2005 حقوقًا واسعة للمواطن. فنصت المادة (14) على أن العراقيين متساوون أمام القانون دون تمييز، وأكدت المادة (30) التزام الدولة بضمان الحياة الكريمة والضمان الاجتماعي والصحي، ونصت المادة (31) على حق المواطن في الرعاية الصحية، والمادة (34) على مجانية التعليم، كما نصت المادة (111) على أن النفط والغاز ملكٌ لكل الشعب العراقي في جميع الأقاليم والمحافظات.
لكن السؤال المؤلم هو: كم حقًا دستوريًا تحول إلى واقع؟
المتقاعد الذي خدم وطنه أربعين عامًا قد يتقاضى راتبًا لا يتجاوز بضع مئات الآلاف من الدنانير، وهو مبلغ لا يكفي لتغطية متطلبات الحياة الأساسية. والمعلم الذي علّم أجيالًا كتابة كلمة "دار"، قد ينهي خدمته من دون أن يمتلك دارًا، بينما أصبحت القصور والعقارات الفاخرة في متناول أصحاب النفوذ والامتيازات. والطبيب والمهندس والموظف الشريف قد يقضون عمرًا كاملًا في الخدمة، ثم يعجزون عن شراء منزل يؤوي أبناءهم.
بل إن العدالة غابت حتى داخل مؤسسات الدولة نفسها. فهناك موظفون يحملون الشهادة نفسها وسنوات الخدمة نفسها، لكن رواتبهم تختلف اختلافًا كبيرًا لأنهم يعملون في وزارات أو هيئات مختلفة. فبعض المؤسسات تتمتع بمخصصات وحوافز وامتيازات مرتفعة، بينما يعمل موظفو وزارات التربية والزراعة والثقافة والبلديات وغيرها برواتب أقل بكثير، رغم أن خدماتهم تمس حياة ملايين المواطنين. فأين مبدأ المساواة الذي نص عليه الدستور؟
ولم تقتصر الفوارق على الرواتب، بل امتدت إلى توزيع الثروة بين المحافظات. فالعراق دولة واحدة، وثروته النفطية ملك لجميع العراقيين، لكن المحافظات المنتجة للنفط تتحمل في الوقت نفسه التلوث البيئي، واستهلاك البنى التحتية، والأضرار الصحية الناتجة عن عمليات الاستخراج والنقل. ولهذا أُقرت فقرة البترودولار لتعويض تلك المحافظات عن هذه الأعباء.
إلا أن الواقع يكشف أن مستحقات البترودولار كثيرًا ما تتأخر أو لا تُصرف كاملة، فتجد محافظات مثل البصرة وميسان وذي قار وواسط وكركوك، التي تنتج القسم الأكبر من النفط العراقي، ما تزال تعاني نقصًا في المستشفيات، والمدارس، والطرق، وشبكات الماء والمجاري، رغم أن ثرواتها تمول الموازنة العامة للدولة.
وفي المقابل، تستفيد المحافظات غير النفطية من الإيرادات العامة عبر الموازنة الاتحادية، وهذا حق مشروع لأنها جزء من العراق، لكن العدالة تقتضي أيضًا إنصاف المحافظات المنتجة ومنحها مستحقاتها كاملة، لأن البترودولار ليس امتيازًا، بل تعويض عن الأضرار البيئية والخدمية التي تتحملها.
إن الدول التي نجحت في بناء مواطنيها لم تعتمد على الشعارات، بل على العدالة الاجتماعية. ففي سنغافورة وفرت الدولة برامج إسكان ميسرة حتى أصبح معظم المواطنين يمتلكون مساكنهم. وفي النمسا أصبح الإسكان الاجتماعي أحد أهم عوامل استقرار الطبقة الوسطى. وفي ألمانيا وكندا تقوم الدولة بدعم التعليم والصحة والضمان الاجتماعي، بينما توفر دول الشمال الأوروبي، مثل النرويج وفنلندا، أنظمة تقاعد ورعاية صحية تضمن للإنسان حياة كريمة بعد سنوات الخدمة.
أما في العراق، فما زال الموظف يخشى التقاعد لأنه قد يفقد قدرته على العيش، وما زال الشاب يرى أن امتلاك منزل حلم بعيد المنال، وما زالت الأسرة تنتظر سنوات طويلة للحصول على قطعة أرض أو قرض سكني، بينما ترتفع أسعار العقارات إلى مستويات تفوق قدرة أصحاب الدخل المحدود.
إن الانتماء للوطن لا يُقاس بالشعارات، بل بالعدالة. فعندما يشعر المواطن بأن القانون يطبق على الجميع، وأن راتبه يحفظ كرامته، وأن فرص العمل والسكن متاحة بعدالة، وأن الثروة الوطنية توزع بصورة منصفة، عندها يزداد انتماؤه لوطنه واستعداده للدفاع عنه.
إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من توحيد سلم الرواتب وفق معايير العدالة والكفاءة، وإلغاء الامتيازات غير المبررة، وضمان تنفيذ نصوص الدستور المتعلقة بالضمان الاجتماعي والسكن، وصرف مستحقات البترودولار للمحافظات المنتجة كاملة، وتوجيهها إلى مشاريع تنموية حقيقية، مع استمرار توزيع الثروة الوطنية بين جميع المحافظات وفق عدد السكان ومستوى الحرمان وحاجات التنمية.
ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة عملية لا خطابًا سياسيًا:
هل يشعر العراقي اليوم بأنه مواطن كامل الحقوق في وطنه، أم أنه أصبح مواطنًا بدرجات؟
فعندما يصبح راتب الموظف مرتبطًا باسم الوزارة لا بكفاءته، وعندما ينتج أبناء محافظة ثروة العراق ولا يجدون مستشفى أو مدرسة أو طريقًا يليق بهم، وعندما يعجز المعلم والمتقاعد عن امتلاك بيت بعد عمر من الخدمة، فإن القضية لم تعد اقتصادية فحسب، بل أصبحت قضية عدالة ومواطنة.
إن الوطن الذي لا يشعر فيه المواطن بالمساواة يفقد جزءًا من قوته، أما الوطن الذي يحقق العدالة في الحقوق والواجبات، ويوزع ثرواته بعدل، ويحفظ كرامة أبنائه، فهو الوطن الذي يستحق أن يلتف الجميع حوله ويدافعوا عنه.
فهل نريد دولةً غنية بالنفط فقط، أم دولةً غنية بكرامة مواطنيها؟