11 June - 19 July 2026
00 days
00 hours
00 mins
00 secs

الأخبار المزيّفة... جريمة تهدد الدولة قبل أن تستهدف الأفراد

الأخبار المزيّفة... جريمة تهدد الدولة قبل أن تستهدف الأفراد

د. ضحى السدخان

2026-06-27T17:23:51+00:00

لم تعد الأخبار المزيّفة مجرد منشورات عابرة على مواقع التواصل الاجتماعي، بل تحولت إلى واحدة من أخطر أدوات الحروب الحديثة، تستهدف العقول قبل الحدود، وتهدد استقرار الدول قبل أن تسيء إلى الأفراد. فالكلمة الكاذبة التي كانت تنتشر في الماضي خلال أيام، أصبحت اليوم تصل إلى ملايين الأشخاص خلال دقائق، وقد تكون نتائجها أخطر من أي سلاح تقليدي.

لقد كان الإعلام عبر التاريخ سلطة رقابية ورسالة إنسانية هدفها نقل الحقيقة وكشف الفساد والدفاع عن حقوق الناس، إلا أن التطور التقني والانفتاح الرقمي أفرزا وجهاً آخر للإعلام، حيث استغلت بعض الصفحات والمواقع الإلكترونية ومن يدّعون العمل الإعلامي هذه المساحة الواسعة لنشر الأكاذيب والإشاعات وتحويلها إلى تجارة تدر الأموال، أو وسيلة لابتزاز المسؤولين والمؤسسات، أو أداة لتصفية الحسابات السياسية والشخصية.

ولم تعد هذه الظاهرة مجرد تجاوز أخلاقي، بل أصبحت في كثير من الأحيان جريمة احتيال وتضليل مقصودة. فبعض الجهات تنشر أخباراً مفبركة عن مؤسسة أو مسؤول، ثم تعرض إيقاف حملات التشهير أو حذف المنشورات مقابل مبالغ مالية، بينما يسعى آخرون إلى زيادة عدد المتابعين وتحقيق الأرباح من الإعلانات من خلال الإثارة ونشر المعلومات غير الدقيقة، حتى لو كان الثمن هو زعزعة ثقة المواطنين بدولتهم.

إن أخطر ما تفعله الأخبار المزيّفة أنها تضرب هيبة المؤسسات وتربك عملها. فقد يؤدي خبر كاذب عن قرار حكومي أو أزمة أمنية أو مالية إلى إثارة الهلع بين المواطنين، أو إرباك الأسواق، أو التأثير في الاقتصاد، أو تشويه سمعة مسؤول قبل أن تظهر الحقيقة. إن المؤسسات تنفق سنوات طويلة لبناء ثقة المجتمع، لكن منشوراً واحداً كاذباً قد يهدم جزءاً كبيراً من تلك الثقة خلال ساعات.

ولذلك لم يعد العالم ينظر إلى الأخبار المزيّفة على أنها مجرد حرية رأي، بل عدّها تهديداً للأمن الوطني. فمنذ عام 2016 تصاعد الاهتمام الدولي بهذه الظاهرة بعد اتهام حملات التضليل الإلكتروني بالتأثير في الانتخابات والأحداث السياسية الكبرى. وفي عام 2019 أصدرت سنغافورة قانون مكافحة الأخبار الكاذبة والتلاعب الإلكتروني، بينما دخل قانون الخدمات الرقمية في الاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ الكامل عام 2024، وأصبح يلزم المنصات الرقمية الكبرى بمكافحة المحتوى المضلل وتحمل مسؤوليتها القانونية.

وتكشف الأرقام حجم المشكلة؛ فقد أظهر تقرير معهد رويترز للأخبار الرقمية لعام 2024، الذي شمل أكثر من 95 ألف مشارك في 47 دولة، أن 59% من المشاركين يشعرون بالقلق من صعوبة التمييز بين الأخبار الصحيحة والأخبار الكاذبة على الإنترنت. كما أظهرت دراسة لليونسكو عام 2024 شملت 500 من صناع المحتوى في 45 دولة أن 62% منهم لا يتحققون من صحة المعلومات بصورة كافية قبل نشرها، وهو ما يفسر السرعة الهائلة في انتشار الإشاعات.

أما في العراق، فقد أصبح الإعلام الرقمي ساحة مفتوحة للجميع، وهذا أمر إيجابي عندما يُستخدم بمهنية، لكنه يتحول إلى خطر عندما يستغل لنشر الأكاذيب أو الإساءة إلى مؤسسات الدولة ورموزها دون دليل. لقد استُخدمت بعض المنصات للأسف لتسقيط الدولة، وتشويه سمعة المسؤولين والقادة، وإثارة الفتن، وتحقيق الشهرة أو المكاسب المالية، حتى أصبح بعض أصحاب الصفحات يقيسون نجاحهم بعدد المشاهدات لا بصدق المعلومة.

إن حرية التعبير حق دستوري لا خلاف عليه، لكنها لا تعني حرية الكذب أو القذف أو التشهير أو ابتزاز الآخرين. فالإعلام المهني يقوم على التحقق من المصادر، واحترام القانون، والالتزام بأخلاقيات المهنة، بينما الإعلام الذي يعتمد على الإشاعة والإثارة لا يخدم الديمقراطية، بل يهددها ويقوض ثقة المجتمع بمؤسساته.

واليوم، يحتاج العراق إلى موقف وطني حازم لمواجهة هذه الظاهرة، عبر تطوير التشريعات الخاصة بالجرائم الإلكترونية، وفرض عقوبات رادعة على مروجي الأخبار الكاذبة والابتزاز الإلكتروني، مع الحفاظ على حرية الصحافة والإعلام المسؤول. كما ينبغي تعزيز دور القضاء، وهيئة الإعلام والاتصالات، والأجهزة الأمنية المختصة، ونقابة الصحفيين، والجامعات، لنشر ثقافة التحقق من المعلومات، وتربية جيل يمتلك الوعي الرقمي ولا يكون أداة لنشر الإشاعات.

إن الدول لا تُهدم بالصواريخ وحدها، بل قد تُهدم أيضاً بالإشاعة، وبالمنشور الكاذب، وبالكلمة التي تزرع الشك وتقتل الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته. فالكلمة مسؤولية، والخبر أمانة، ومن يحوّل الإعلام إلى وسيلة للابتزاز أو الكذب أو التحريض لا يمارس حرية التعبير، بل يرتكب فعلاً يهدد أمن المجتمع واستقرار الدولة.

إن حماية الحقيقة اليوم أصبحت جزءاً من حماية الأمن الوطني، وأصبح من واجب الجميع، دولةً ومؤسساتٍ وإعلاماً ومواطنين، أن يقفوا صفاً واحداً في مواجهة الأخبار المزيّفة، لأن الدولة التي تحمي الحقيقة هي الدولة القادرة على حماية مستقبلها.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon