سبايكر.. جرح العراق النازف وألم المرأة العراقية الذي لا ينتهي
د. ضحى السدخان
لم تكن جريمة سبايكر التي وقعت في الثاني عشر من حزيران عام 2014 مجرد حادثة أمنية أو صفحة سوداء في سجل الإرهاب، بل كانت واحدة من أبشع الجرائم التي شهدها العراق في تاريخه الحديث. ففي تلك الأيام الدامية تعرض مئات وربما أكثر من ألف وسبعمائة من طلبة القوة الجوية والجنود العراقيين للأسر والقتل الجماعي على يد تنظيم داعش الإرهابي بعد سيطرته على مدينة تكريت ومناطق واسعة من محافظة صلاح الدين. وقد تحولت صور الضحايا وهم يساقون إلى الموت إلى مشهد محفور في ذاكرة العراقيين جميعاً.
لكن المأساة لم تتوقف عند حدود أعداد الشهداء أو بشاعة الجريمة، بل امتدت لتصيب آلاف الأمهات والزوجات والأخوات اللواتي فقدن أبناءهن وأزواجهن وإخوتهن في واحدة من أكثر الفواجع الإنسانية إيلاماً في تاريخ العراق المعاصر. فمنذ عقود طويلة، والمرأة العراقية تدفع ثمن الحروب والصراعات والأزمات السياسية والأمنية، بدءاً من الحرب العراقية الإيرانية، مروراً بحرب الخليج والحصار الاقتصادي والاحتلال والإرهاب، وصولاً إلى جرائم داعش ومنها جريمة سبايكر.
لقد تحولت الأم العراقية إلى رمز للصبر والمعاناة. فكم من أم انتظرت عودة ابنها من الحرب فلم يعد؟ وكم من زوجة وجدت نفسها مسؤولة عن أسرة كاملة بعد فقدان زوجها؟ وكم من طفلة كبرت يتيمة بسبب نزاعات لم تكن طرفاً فيها؟ وفي جريمة سبايكر تحديداً، عاش العديد من الأمهات سنوات طويلة بين الأمل واليأس وهن يبحثن عن معلومة أو أثر أو رفات لأبنائهن المفقودين.
إن المرأة العراقية لم تكن ضحية جانبية للحروب، بل كانت الضحية الأكثر استنزافاً. فقد تحملت مسؤولية إعالة الأسرة، ورعاية الأطفال، ومواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة، وتحملت في الوقت نفسه الألم النفسي الناتج عن فقدان الأحبة. ولذلك فإن الحديث عن سبايكر لا يقتصر على الشهداء فقط، بل يشمل آلاف النساء اللواتي ما زلن يحملن وجع تلك الفاجعة حتى اليوم.
ورغم مرور سنوات على الجريمة، ما زال ملف سبايكر يمثل قضية وطنية وإنسانية وأخلاقية. فقد استمرت جهود الدولة في ملاحقة المتورطين وإصدار الأحكام القضائية بحق عدد منهم، كما جرى العمل على فتح المقابر الجماعية والتعرف على الضحايا وإعادة الرفات إلى ذويها. إلا أن العدالة الحقيقية لا تكتمل إلا بكشف جميع الحقائق ومحاسبة كل من ساهم أو قصر أو تستر على هذه الجريمة.
إن استذكار سبايكر ليس لإحياء الأحزان فقط، بل لتأكيد ضرورة بناء دولة قوية قادرة على حماية مواطنيها ومنع تكرار مثل هذه المآسي. كما أن الوفاء للشهداء يقتضي رعاية عوائلهم والاهتمام بالأمهات الثكالى والزوجات والأطفال الذين فقدوا معيلهم، لأن بناء الأوطان لا يتحقق بالنسيان بل بالاعتراف بالتضحيات وحفظ حقوق أصحابها.
ستبقى سبايكر جرحاً مفتوحاً في الذاكرة العراقية، وستبقى المرأة العراقية شاهدة على عقود من الألم والمعاناة. لكنها، كما كانت دائماً، ستبقى أيضاً رمزاً للصبر والقوة والقدرة على النهوض رغم كل الجراح. فالعراق الذي أنجب تلك الأمهات الصابرات قادر على تجاوز المحن، لكنه لن ينسى أبناءه الذين سقطوا ظلماً، ولن ينسى دموع الأمهات التي ما زالت حتى اليوم تنتظر العدالة والإنصاف.
رحم الله شهداء سبايكر وجميع ضحايا الإرهاب والحروب في العراق.