بغداد بين الأمس واليوم... من الحافلات ذات الطابقين إلى ملايين السيارات
د. ضحى السدخان
كانت بغداد يوماً من أكثر مدن الشرق الأوسط تنظيماً في النقل الحضري، بل كانت تضاهي كثيراً من العواصم العالمية. ففي عام 1952 دخلت الحافلات البريطانية ذات الطابقين الخدمة في العاصمة، ثم توسعت عام 1956، لتصبح جزءاً من هوية بغداد، تماماً كما هي الحال في لندن. وكان الموظفون والطلبة والمواطنون يعتمدون على النقل الجماعي للوصول إلى أعمالهم ومدارسهم وجامعاتهم، ولم تكن السيارة الخاصة ضرورة كما هي اليوم.
أما الآن، فقد تغير المشهد بصورة كبيرة. فبعد عام 2003 شهد العراق زيادة هائلة في استيراد السيارات دون أن يقابلها توسع مماثل في الطرق أو إنشاء منظومة نقل جماعي حديثة، فتحولت بغداد إلى مدينة تعاني اختناقات مرورية يومية تستنزف الوقت والاقتصاد والبيئة.
لقد ارتفع عدد المركبات في العراق من أقل من مليون مركبة قبل عام 2003 إلى أكثر من سبعة ملايين مركبة اليوم. وفي بغداد وحدها تجاوز العدد أربعة ملايين مركبة بعد أن كان يقارب 700 ألف مركبة فقط. كما ارتفع عدد المركبات في البصرة من نحو 150 ألفاً إلى أكثر من 600 ألف مركبة، وفي نينوى من نحو 120 ألفاً إلى أكثر من 500 ألف، وفي أربيل إلى أكثر من 450 ألفاً، بينما ارتفع العدد في ميسان من نحو 40 ألف مركبة إلى أكثر من 180 ألفاً.
هذه الزيادة الكبيرة لم ترافقها توسعة مماثلة في البنية التحتية، فما زالت أغلب شوارع بغداد وجسورها تعتمد على تصاميم وضعت قبل عقود، الأمر الذي جعل العاصمة تواجه اختناقات مرورية يومية، خاصة في ساعات الذروة، حيث يخرج مئات الآلاف من الموظفين والطلبة بسياراتهم الخاصة في الوقت نفسه.
وتشير التقديرات إلى أن العراق يستهلك أكثر من 30 مليون لتر من البنزين يومياً، وتستحوذ بغداد على الحصة الأكبر بسبب كثافة المركبات. كما تؤكد الدراسات أن السيارة الواحدة قد تستهلك نحو 570 لتراً إضافياً من الوقود سنوياً نتيجة الوقوف الطويل في الزحام، وهو ما يسبب خسائر تقدر بأكثر من 500 مليار دينار سنوياً نتيجة هدر الوقود فقط.
ولا تتوقف الخسائر عند الوقود، بل تمتد إلى الوقت والإنتاج. فإذا خسر مليون موظف ساعة واحدة يومياً بسبب الازدحام، فإن العراق يفقد أكثر من 250 مليون ساعة عمل سنوياً، وهي خسارة تؤثر في أداء مؤسسات الدولة والإنتاجية والنشاط الاقتصادي.
أما بيئياً، فقد أصبح قطاع النقل من أكبر مصادر تلوث الهواء، بسبب ملايين المركبات التي تطلق كميات كبيرة من الغازات الضارة والجسيمات الدقيقة، مما يزيد من أمراض الجهاز التنفسي والقلب، فضلاً عن الضوضاء التي أصبحت سمة يومية في المدن الكبرى.
إن معالجة الازدحام ببناء المزيد من الجسور والمجسرات وحدها لن تكون كافية. فالتجارب العالمية أثبتت أن توسيع الطرق يؤدي بعد سنوات قليلة إلى عودة الاختناقات مع زيادة أعداد السيارات، بينما يبقى النقل الجماعي هو الحل الأكثر نجاحاً واستدامة.
فالحافلة الحديثة الواحدة تستطيع نقل ما بين 80 و100 راكب، أي ما يعادل إزالة أكثر من 60 سيارة من الشارع إذا كان أغلبها يحمل شخصاً واحداً. وهذا يعني تقليل الازدحام، وتوفير الوقود، وخفض التلوث، وتقليل الحوادث، ورفع كفاءة الطرق.
لقد نجحت لندن في بناء منظومة متكاملة تعتمد على الحافلات ذات الطابقين ومترو الأنفاق والقطارات، مع تنظيم دخول المركبات إلى مركز المدينة. كما نجحت سنغافورة في تقليل الازدحام عبر الاستثمار في النقل العام وإدارة استخدام السيارات الخاصة، بينما أصبحت إسطنبول مثالاً ناجحاً في تشغيل الحافلات السريعة (Metrobus)، وقدمت مدينة كوريتيبا البرازيلية نموذجاً عالمياً لنظام الحافلات السريعة (BRT) الذي ينقل مئات الآلاف من الركاب يومياً بكلفة أقل كثيراً من إنشاء المترو.
إن بغداد قادرة على استعادة مكانتها إذا تبنت مشروعاً وطنياً للنقل الجماعي يبدأ بإنشاء الهيئة الوطنية للنقل الجماعي، وتوفير حافلات حديثة للوزارات والجامعات والمدارس، وإعادة الحافلات ذات الطابقين بصورة عصرية، وإنشاء مسارات خاصة للحافلات السريعة، والإسراع بتنفيذ مشروع مترو بغداد، وتشجيع استخدام الحافلات الكهربائية الصديقة للبيئة.
كما يمكن اعتماد نظام نقل خاص لموظفي الدولة، بحيث تخصص كل وزارة أو مؤسسة أسطولاً من الحافلات لنقل موظفيها من مناطق التجمع السكنية، وهو ما سيؤدي إلى تقليل أعداد السيارات الخاصة الداخلة إلى العاصمة بشكل كبير، ويوفر ملايين اللترات من الوقود سنوياً، ويقلل الضغط على الطرق والجسور.
إن الاستثمار في النقل الجماعي ليس إنفاقاً إضافياً، بل هو استثمار اقتصادي حقيقي. فكل دينار يُصرف على الحافلات والمترو يعود أضعافاً من خلال تقليل استهلاك الوقود، وخفض التلوث، وتقليل الحوادث، ورفع إنتاجية الموظفين، وتحسين جودة الحياة.
لقد آن الأوان لإعادة بغداد إلى مكانتها التي تستحقها، مدينةً للحضارة والتنظيم لا للازدحام والفوضى. فالعواصم المتقدمة لا تُقاس بعدد السيارات التي تملأ شوارعها، بل بقدرة المواطن على الوصول إلى عمله وجامعته بأمان وسرعة وراحة. وإذا كان العراق قد سبق كثيراً من دول المنطقة في إدخال الحافلات الحديثة قبل أكثر من سبعين عاماً، فإنه قادر اليوم، بالإرادة والتخطيط، على بناء منظومة نقل جماعي متطورة تعيد لبغداد وجهها الحضاري وتمنح أبناءها مدينة أكثر انسيابية ونظافة وإنتاجاً.