زاگروس تتنفس نغما وشكرا: "پاييزانه".. طقس الكورد في وداع الأرض واستقبال الشتاء
ماجد سوره ميري
في الأعالي الشاهقة لسلسلة جبال زاگروس الشاهقة الوعرة، حيث تصنع الطبيعة قساوتها وجمالها الخاص، لا يمر تبدّل الفصول كحدث عابر في مفكرة الأيام؛ فبالنسبة لأهالي محافظة كرمانشاه (بالکوردیة: کرماشان) في كوردستان الشرقية، وتحديدا في حواضرها الضاربة في عمق التاريخ مثل دالاهو، وسربيل زهاب، وصَحنه، فإن الخريف والشتاء ليسا مجرد تقلبات جوية، بل هما دورة حياة كاملة يتم استقبالها بطقس ثقافي وروحاني مهيب يعرف باسم "پاييزانه".
وهذا الاحتفال ليس مجرد كرنفال فلكلوري، بل هو وثيقة حية تعكس ممارسات الشعوب الأصيلة في التناغم مع الأرض، وشكر نعمها، وإعلاء قيم التضامن البشري عبر طقوس تمتزج فيها ترانيم العشق الإلهي بصرير الرياح الجبلية القادمة من القمم الشاهقة.
ميقات الأرض: فلسفة التوقيت الكوردي القديم
بينما يعتمد العالم المعاصر التقويم الهجري القمري أو الشمسي أو الميلادي لتحديد الفصول، يحتفظ الرعاة والمزارعون الكورد في زاگروس بـالتقويم الكوردي التقليدي القديم.
في هذا الحساب الفلكي المرتبط بحركة الأرض البكر، يبدأ الخريف مبكرا، ليكون يوم 15 من شهر آبان (والذي يقابله 6 تشرين الثاني/نوفمبر في التقويم الميلادي) هو نقطة "المنتصف الدقيق للخريف"، والميقات الرسمي لإعلان حالة الطوارئ الروحية والمادية لمواجهة الشتاء.
تتشكل فلسفة "پاييزانه" من حدثين وجوديين في حياة الإنسان الكوردي الزاگروسي:
الاول هو نهاية موسم الكد والنزوح (کوچ): إنه وقت إعلان الهدنة مع الأرض؛ فالمزارعون قد فرغوا من حصادهم، والرعاة يعودون بقطعان ماشيتهم في رحلة هبوط شاقة من قمم الجبال الباردة (المصايف/ ییلاق) إلى السهول الدافئة (المشاتي/ قشلاق).
الثاني هو استقبال (پیشواز) البرد القارس: معلنا اقتراب الصقيع الذي يعزل القرى لشهور، تنطلق "پاييزانه" كدرع نفسي واجتماعي يستمد منه المجتمع الدفء لمواجهة الأيام المظلمة القادمة.
مناسك التطهير وسخاء الأضاحي: حين تذوب الفوارق الطبقية
تبدأ "پاييزانه" بممارسة تسمى "خانهتەکانی (Khāneh-takānī)"، وهي ممارسة حرفية تعني "نفض الغبار عن المنازل"؛ ولا يقتصر الأمر على النظافة المادية، بل هو تطهير رمزي لطرد الطاقات السلبية المترسبة ومواءمة وتهيئة البيوت استعدادا لاستقبال بركات الفصل الجديد، اي فصل الخريف.
وعقب التطهير، تبرز القيمة المحورية للاحتفال: السخاء المطلق؛ حيث تنحر العائلات المقتدرة الأغنام والديوك كقرابين نذرية.. وهنا، تتجلى التجربة الاشتراكية الفطرية لهذه المجتمعات؛ إذ يتم تقطيع اللحوم وتوزيعها بدقة هندسية وبالتساوي على بيوت القرية أو الحي كافة، بغض النظر عن المكانة الاجتماعية من قبيل الغنى والفقر، وتسمى هذه الحصة العادلة بـ"بَش(Baš)"، وهو السهم المقدّر لكل إنسان في رزق الأرض.
وعلى الموائد، يفوح شذى حساء "دانه كولانه(Dāne Kūlāne) "، وهو طبق طقسي سميك يطبخ من خلط سبعة أنواع من الحبوب والبقوليات كالقمح والحمص والعدس وغيرها؛ ويمثل هذا الحساء الاعلان الرسمي او"مانيفستو الغذاء" الشتوي، وتميمة بصرية لإعلان الاكتفاء والأمن الغذائي للمجتمع ضد شبح الجوع والعوز.
مقامات التنبور وصداح "الكلام": الروح الساكنة في الوتر
إن ما يمنح "پاييزانه" صبغتها الاحترافية والفريدة في عالم وصف الشعوب او إثنوغرافيا الشعوب، هو ارتباطها البنيوي بطائفة يارسان (Yarsan) أو "أهل الحق"، وبآلتهم الموسيقية الروحية المفضلة: التنبور(Tanbur) .
ففي ليلة العيد، يتحول "بيت كبار العائلة" أو الأماكن المقدسة إلى محافل نورانية. حيث يجلس أساتذة العزف الملقبون بـ "كلامخوان (Kalām-khwān) متقابلين في حلقات دائرية. وبأصابع خبرت أسرار الأوتار، يعزفون "المقامات الحقانية الباستانية= المقامات والألحان الطقسية العريقة التابعة لعقيدة أهل الحق (اليارسانية) " للتنبور. حيث تتدفق أصوات الآلات الوترية ممتزجة مع ترانيم جماعية (كورال بشري) تصدح بأشعار العشق الإلهي، تمجيد الطبيعة، والامتنان للأرض، في فضاء صوفي مهيب يختطف الألباب ويهز الوجدان.
"هَلپَرَكه": رقصة لإيقاظ تربة زاگروس
بعد الشق الروحاني العتيق وتناول طعام النذر الجماعي، ينفجر الفرح الإنساني في أبهى صوره عبر الدبكة الكوردية الشهيرة "هَلپَرَكه".
وفي "پاييزانه"، لا تكون الدبكة مجرد رقصة ترفيهية، بل طقس حماسي رمزي. يشبك الشيوخ والشباب والنساء الأيدي بالأيدي، مشكلين حلقات بشرية تدور كدوران الأرض.
ومع ضربات الأرجل العنيفة والمنتظمة على الأرض، يرسل الراقصون رسالة مشفرة إلى جوف التربة: "نحن نطأكِ بقوة لا لنؤذيكِ، بل لنوقظ روحكِ الخصبة لتستعدي للولادة من جديد في الربيع المقبل."
مؤسسة تضمن البقاء: أبعاد اجتماعية وإنسانية
تتخطى "پاييزانه" حدود البهجة الموسمية لتلعب دور "المؤسسة الاجتماعية" الصارمة لحماية تماسك المجتمع الإنساني؛ فهي تشترط إصلاح ذات البين، اذ يحظر تماما على أي شخص يحمل ضغينة أو خصومة أن يشارك في المراسيم؛ لذا يقود وجهاء القبائل حملات تصالح واسعة تسبق العيد لإفراغ القلوب من الأحقاد.
وتضمن كذلك كرامة المعوزين؛ حيث تنص الأعراف العشائرية ألا يبيت فرد واحد جائعا أو يفتقر لمؤونة الشتاء؛ لذا تنقل حصص اللحوم والحبوب المخصصة للعائلات المتعففة إلى عتبات بيوتهم ليلا وقبل بدء الاحتفالات، صونا لكرامتهم الإنسانية.
بقي ان نقول انه في زمن تلتهم فيه العولمة الخصائص الثقافية الفريدة، تظل "پاييزانه" الكورد في زاگروس شاهدا حيا على عبقرية الشعوب الأصيلة في صياغة هويتها؛ فهي تشكل توليفة ساحرة تعلمنا كيف يمكن للموسيقى، والخبز المشترك، والرقص الطقسي، أن تتحول جميعا إلى حائط صد جبار في وجه قسوة الطبيعة وعزلة الشتاء؛ ممارسة تثبت أن دفء الجماعة الإنسانية قادر دائما على قهر صقيع جبال زاگروس.