الجواهري في ذكراه.. شاهر السيف على الظلم، وصاحب "قلبي لكوردستان"

الجواهري في ذكراه.. شاهر السيف على الظلم، وصاحب "قلبي لكوردستان"

ماجد سوره ميري

2026-07-28T07:31:40+00:00

في السابع والعشرين من تموز، لا تمر ذكرى رحيل شاعر العرب الأكبر، محمد مهدي الجواهري (1899 - 1997)، كحدث تقويمي عابر في أروقة الثقافة العربية؛ بل تعود كوقفة استذكار واجبا أمام قامة شعرية وإنسانية تجسّد فيها تاريخ العراق والشرق الأوسط بمآسيه وتطلعاته. لم يكن الجواهري مجرد ناظم للقوافي أو شاهدا على العصر، بل كان صانعا لأحداثه، وسيفا صليتا في وجه الاستبداد، وصوتا لم يهادن سلطة أو يساوم على حرية.

نهر العراق الثالث.. سيرة بين النفي والخلود 

ولد الجواهري في مدينة النجف الأشرف عام 1899، في بيت علم وأدب، ونهل من بيئتها الفكرية والأدبية المحافظة لتتفتح قريحته الشعرية مبكرا. لكنه سرعان ما خرج من شرنقة التقليد ليخوض معترك الحياة السياسية والصحفية، متسلحا بجرأة نادرة وموقف لا يلين.

امتدت حياته لأقرب من قرن كامل، عاش معظمه في مهابّ الرياح؛ يتنقل بين منافٍ متعددة من براغ إلى دمشق، متحملا مرارة الاغتراب عن وطنه الذي أحبه حتى النخاع. خاض مواجهات شرسة مع العهود الملكية والجمهورية المتعاقبة في العراق، وأسس صحفا دكّت مضاجع السلطات كـ"الفرات"، و"الانقلاب"، و"الرأي العام"، وظلّ طوال مسيرته يلقَب بحق: "نهر العراق الثالث".

النبرة الجواهرية: شاعرية الملحمة والجزالة

تتجلى شاعرية الجواهري في قدرته الفذة على جمع أصالة اللغة العربية وجزالتها الكلاسيكية مع حداثة الفكرة والحرارة الثورية. كان شعره يسير كالسيل الهادر؛ فيه صهيل الخيل، وصدى الفاجعة، ونبرة التحدي.

يمتلك الجواهري نفسا ملحميا نادرا في القافية، تجلى في معلقاته الخالدة مثل "أخي جعفر" و"آمنت بالحسين" و"رثاء أخي القاسم"، حيث تتحول الكلمة في ديوانه إلى فعل مقاومة، وتتسامى العاطفة الشخصية لتصبح قضية أمة. لم يكن يكتب الشعر، بل كان يتنفسه، مفككا عبر معاركه الشعرية الهياكل المتداعية للظلم والجهل.

الجواهري وكوردستان: حلف الأحرار ونبل الموقف

وسط هذا النضال العريض، تبوأت القضية الكوردية موقعا مركزيا في وجدان الجواهري وفكره. لم تكن علاقة الشاعر بالشعب الكوردي مجرد تعاطف عابر أو مجاملة سياسية، بل كانت عقد شرف أخلاقي ومبدئي ارتكز على إيمانه المطلق بأن حرية العراق وحدة لا تتجزأ، وأن مظلومية الكورد هي امتحان حقيقي لضمير الأمة.

 القبعة الكوردية (الكلاو).. رسالة تحد للطغاة

تظل القبعة الكوردية التقليدية (الكلاو) التي اعتمرها الجواهري في محافل عدة، والمنقوش عليها اسم "كوردستان"، إحدى أبرز الأيقونات النضالية في تاريخ العراق الحديث. بجلوسه بين النخب السياسية والثقافية وهو يعتمر هذا "الكلاو"، كان الجواهري يوجه صفعة صريحة للخطاب العنصري والسلطوي، معلنا انحيازه الكامل والمجرد لحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره ووجوده المكفول.

صدى الجبال في ديوان العرب

أفرد الجواهري لكوردستان، جبالا وشعبا ونضالا، قصائد تعد من أبهى ما كتب في التآخي الإنساني والوطني. وفي قصيدته الملحمية الخالدة "كوردستان يا موطن الأبطال"، يختزل الشاعر حبه الصادق في مطلع هز الوجدان العربي والكوردي على حد سواء:

 قُلبي لكُردستانَ يُهدى والفَمُ ... ولَقد يَجودُ بأصغَريهِ المُعدَمُ

ودَمي، وإنْ لم يُبقِ في جسمي دَماً ... غرثى جراحٍ من دمائي تطعمُ

لم يكتفِ الجواهري بالحديث عن الجمال الطبيعي لكوردستان، بل خلد نضال أبنائها في وجه أعتى حملات الإبادة والتهجير، معتبرا أن جبال كوردستان هي قلعة الحرية الأخيرة لكل أحرار العراق.

 الصداقة التاريخية مع القادة والرموز

جمعت الجواهري بالرموز التاريخية للحركة الوطنية الكوردية روابط وثيقة قائمة على الاحترام المتبادل؛ فقد جمعته بالزعيم التاريخي الملا مصطفى البارزاني علاقة تقدير عميق، فرأى فيه نسيجا نادرا من الصلابة والوطنية. كما ارتبط بصداقة فكرية وسياسية وطيدة مع الرئيس الراحل جلال طالباني (مام جلال)، الذي كان يرى في الجواهري ظهيرا ثوريا وسندا ثقافيا كبيرا للقضية الكوردية وللعراق الديمقراطي.

أثر لا يزول..

رحل محمد مهدي الجواهري جسدا في دمشق عام 1997، لكنه ترك خلفه إرثا يعصى على النسيان. إن استذكاره اليوم ليس مجرد حنين إلى الماضي، بل هو تذكير بالقيم التي عاش ومات من أجلها: أن الشاعر الحقيقي هو من يضع كلمته في خدمة الإنسان، وأن أواصر الأخوة بين الشعوب تبنى بالدماء والمواقف الشجاعة لا بالشعارات الزائفة.

يبقى الجواهري رمزا شامخا؛ تشهد له دجلة والفرات، وتبكيه جبال كوردستان، ويبصم تاريخ الأدب العربي على أنه كان -وبحق- صوت من لا صوت له، والشاعر الذي لم يركع إلا لجمال الحقيقة وعدالة القضية.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon