في اليوم العالمي للشعوب الأصلية: التطلعات الكوردية وأوجاع الجغرافيا والتاريخ
ماجد سوره ميري
بينما يحيي العالم "اليوم الدولي للشعوب الأصلية في العالم" في التاسع من آب/أغسطس، تتجه الأنظار مجددا نحو واحدة من أقدم القضايا القومية والحقوقية في الشرق الأوسط؛ قضية الشعب الكوردي، الذي تشير التقديرات غير الرسمية إلى أن تعداده يتراوح بين 60 و80 مليون نسمة، ما يجعله من أكبر الشعوب التي تفتقر إلى دولة مستقلة ترعى وجودها الجغرافي وإرثها الحضاري.
وتأتي هذه المناسبة الأممية هذا العام لتفتح ملف التحديات التاريخية والمعاصرة التي واجهت المكونات الكوردية المختلفة، بدءا من حملات الإبادة الجماعية والتهجير القسري، وصولا إلى الخلافات الدستورية والمالية الراهنة التي لا تزال تلقي بظلالها على معيشة المواطنين.
إرث قاس من الاستهداف والتهجير
شهد التاريخ الحديث للعراق محطات مؤلمة تعرضت لها مختلف المكونات الكوردية على يد الأنظمة الشمولية السابقة. فقد واجه الكورد الفيليون حملات تسفير وتهجير واسعة، وتغييبا لآلاف الشباب، فضلا عن مصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة وإسقاط الجنسية عنهم.
ولم تكن مناطق كركوك وسنجار وخانقين ومندلي بمعزل عن هذه المعاناة، حيث خضعت لعقود من سياسات الترحيل القسري ومحاولات التغيير الديموغرافي الممنهجة، وهي السياسات التي تركت جروحا غائرة في النسيج الاجتماعي للمنطقة.
من الأنفال إلى سنجار: فظائع الإبادة الجماعية
ومن المفترض ان تستذكر الأوساط الحقوقية في هذا اليوم ضحايا حملات الأنفال الثمانية وقصف مدينة حلبجة بالأسلحة الكيميائية المحظورة دوليا في ثمانينيات القرن الماضي، والتي راح ضحيتها عشرات الآلاف من المدنيين، إلى جانب الاستهداف المنظم والتصفية الجسدية التي طالت الكورد البارزانيين عبر 16 حملة مأساوية.
هذا الإرث من الاستهداف لم يتوقف عند حقبة النظام السابق، بل امتد ليتجلى بأبشع صوره في العصر الحديث على يد تنظيم "داعش" عام 2014، والذي ارتكب جرائم إبادة جماعية و"فرمانات" وحشية بحق الكورد الإيزيديين في سنجار، شملت القتل الجماعي، والخطف، والاستعباد، وهي الجرائم التي أدانتها واعتبرتها الأمم المتحدة والعديد من البرلمانات الدولية إبادة جماعية مكتملة الأركان.
الواقع المعقد: معارك الدستور والقوت اليومي
رغم التغيير السياسي الذي شهده العراق بعد عام 2003، وصياغة دستور دائم عام 2005 توسم فيه الكورد خيرا لإنصاف حقوقهم، إلا أن الواقع الحالي يشير إلى استمرار الأزمات بطرق مختلفة.
وتبرز المعضلة الأساسية اليوم في عدم حسم ملف "المناطق المتنازع عليها" بسبب التباطؤ في تطبيق المادة 140 من الدستور، وسط تجاذبات سياسية معقدة بين بغداد وأربيل حول آليات التنفيذ والحدود الإدارية.
ولم تقتصر الخلافات على الجغرافيا، بل امتدت لتطال القوت اليومي للمواطنين؛ حيث يواجه ملف تمويل رواتب موظفي ومتقاعدي إقليم كوردستان أزمات متكررة. وفي الوقت الذي يرى فيه الجانب الكوردي أن حجب أو تأخير هذه المستحقات يمثل ضغطا سياسيا واقتصاديا مجحفا يمس معيشة المواطن البسيط، تؤكد الحكومة الاتحادية في بغداد أن انتظام التمويل يرتبط بمدى الالتزام بالاتفاقات النفطية والمالية وتدقيق قوائم موظفي الإقليم وفقا لقانون الموازنة وقرارات المحكمة الاتحادية العليا.
دعوات لإنصاف إنساني مستدام
إننا ومعنا كل المنصفين من المراقبين والحقوقيين نرى بأن اليوم العالمي للشعوب الأصلية يمثل فرصة حقيقية للمجتمع الدولي والشركاء المحليين للالتفات إلى الجذور العميقة للمعاناة الكوردية.
ونؤكد على أن استقرار المنطقة يبدأ من الالتزام الحقيقي بالعهود الدستورية، وحماية الخصوصية الثقافية والجغرافية للمكونات كافة، وإبعاد الملفات الإنسانية والمعيشية للمواطنين عن دائرة الصراعات السياسية الضيقة، لضمان مستقبل يحفظ الكرامة الإنسانية للجميع.