في ذكرى اكتشاف نفط كركوك في بابا كركر قبل قرن: حين تتحول الثروة إلى اختبار للعدالة

في ذكرى اكتشاف نفط كركوك في بابا كركر قبل قرن: حين تتحول الثروة إلى اختبار للعدالة

ماجد سوره ميري

2026-10-14T20:42:57+00:00

   على اعتاب الذكرى السنوية لاكتشاف النفط في حقل باباكركر، ينبغي ان نوجه تساؤلا  جوهريا: لماذا لم تتحول ثروته النفطية في العراق إلى رفاهية مشتركة، ولماذا لا تزال كركوك تعاني من إرث الصراعات والمظالم من دون ان نرى وميضا من الامل في المستقبل القريب بناء على المعطيات الجيوسياسية الحالية؟

كما هو معلوم، اكتشف النفط تجاريا في حقل باباكركر بمدينة كركوك في الرابع عشر من تشرين الأول عام 1927،  في ظل الانتداب البريطاني ونفوذ الشركات النفطية الأجنبية.

وكان هذا الحدث نقطة تحول كبرى في تاريخ العراق الاقتصادي، وبداية مرحلة كان يفترض أن تسهم فيها الثروة النفطية في بناء دولة مزدهرة، وتوفير الخدمات والفرص، وتعزيز الاستقرار والتنمية.

ولكن، من دواعي الاسف، انه بعد قرابة قرن، تظل كركوك رمزا لواحدة من المفارقات المؤلمة: كيف يمكن لثروة طبيعية هائلة أن تصبح مصدرا للصراع بدلا من أن تكون أساسا للرخاء المشترك؟

لا تكمن الإجابة في النفط كثروة بحد ذاتها، بل في طبيعة المؤسسات الحكومية التي تديرها، وآليات توزيع عائداتها بشكل يضمن العدالة، والعلاقة بين الثروة والسلطة والحقوق وفقا للمعايير الدستورية والاخلاقية والانسانية.

النفط بين الازدهار والصراع

ومنذ اكتشاف هذه الثروة، أدى اعتماد العراق على الإيرادات النفطية بشكل أساسي ووحيد تقريبا إلى جعل اقتصاده عرضة لتقلبات الأسواق العالمية والتنافس الاقليمي والصراعات في المنطقة، فيما أعاقت محدودية التنويع الاقتصادي وضعف المساءلة عملية تحويل الثروة إلى تنمية مستدامة؛ ولم يكن امتلاك هذه الموارد الكبيرة كافيا لضمان خدمات عامة جيدة أو فرص عمل مستقرة أو مؤسسات قادرة على حماية حقوق المواطنين.

ان هذه المفارقة تزداد تعقيدا في كركوك، حيث تداخلت أهمية النفط مع التنافس على الأرض والهوية والإدارة السياسية؛ فقد شهدت المحافظة، ولا سيما في عهد النظام السابق، سياسات تعريب وتغييرات ديموغرافية أضرت بحقوق الكورد وغيرهم من المتضررين، وتركت آثارا لا تزال حاضرة في النزاعات المتعلقة بالملكية والتمثيل ومستقبل المحافظة.

ومن المؤكد إن معالجة هذا الإرث تتطلب الاعتراف بالمظالم التاريخية والسعي الجاد لجبر أضرارها، من دون إنتاج مظالم جديدة؛ فمن المؤكد أن حقوق الكورد لا تتعارض مع حقوق العرب والتركمان والمسيحيين وسائر سكان كركوك، كذلك فإن العدالة لا تعني أبدا استبدال هيمنة بأخرى، بل ضمان المساواة في المواطنة وحماية الحقوق الفردية والجماعية لجميع المكونات.

إن اعتبار النفط ثروة وطنية لا ينبغي ان يلغي حق المجتمعات المحلية في ضمان التنمية المنصفة، أو حقها في الحماية والتعويض عن الأضرار البيئية والاجتماعية الناجمة عن الإنتاج والنقل، والمطلوب هو التوزيع العادل للمنافع، وليس احتكارها من قبل المناطق المنتجة ولا حرمان تلك المناطق من حقوقها.

دستور لم يستكمل تنفيذه

بعد عام 2003، وطي صفحات مؤلمة في تاريخ العراق، أتاح التحول السياسي(أو هكذا خيل لنا) فرصة لمعالجة المظالم وإعادة بناء الدولة على أسس دستورية؛ فصوت الشعب على دستور جديد اتفقت عليه معظم المكونات في استفتاء عام ومفتوح عام 2005 ونصت المادة 140 من هذا الدستور على إجراءات وآليات تبدأ بتطبيع الأوضاع وإجراء إحصاء، وصولا إلى استفتاء بشأن الوضع الإداري لكركوك والمناطق المتنازع عليها، وحددت نهاية عام 2007 موعدا لاستكمالها.

لكن الموعد انقضى من دون استكمال العملية، وبقيت القضية معلقة، بما عمّق انعدام اليقين وأضعف الثقة في قدرة المؤسسات على تنفيذ الالتزامات الدستورية (وهي مؤسسات تسيطر عليها الاحزاب والكتل السياسية التي لكل منها اجنداتها الخاصة).

نكاد ان نجزم بأن المادة 140 وحدها لا تستطيع حل جميع تعقيدات ومشكلات كركوك والاثار السيئة للسياسات السابقة وماتبعتها من بعض السياسات اللاحقة ايضا، الا انها يمكن ان تمثل جزءا من الإطار الدستوري لمعالجة النزاع؛ ولذلك، فإن المبادرة الى استئناف تنفيذها والعمل بفقراتها ومراحلها، يتطلب إرادة سياسية جدية، وجدولا زمنيا واضحا، وضمانات قانونية لجميع المكونات، وإجراءات شفافة لمعالجة قضايا الملكية والحقوق السكانية، بعيدا عن الإكراه أو فرض الأمر الواقع كما يتوهم البعض ممن ساعدت الظروف الداخلية والاقليمية على هيمنتها على عملية صناعة القرار وتنفيذ ما يحلو لها من البنود الدستورية بانتقائية ليست بخافية على أحد.

كما ينبغي أن يكون سكان كركوك شركاء حقيقيين والفاعلين الحقيقيين في تقرير مستقبلهم، لا مجرد أطراف تناقش قضاياهم في مفاوضات بين القوى السياسية في دهاليز السلطة.

من الثروة النفطية إلى العدالة والتنمية

ويتطلب تحويل الثروة النفطية إلى مصدر للرفاهية إصلاحا يتجاوز إدارة الإيرادات السنوية؛ ويبدأ ذلك بالشفافية في العقود والإيرادات والنفقات، وتعزيز الرقابة المستقلة، واعتماد معايير عادلة لتوزيع الموارد تراعي السكان والحرمان والاحتياجات التنموية والأعباء البيئية وفقا لمتطلبات العهد الجديد.

ومن ذلك يجب أن تستثمر الإيرادات المتحصلة من هذه الثروة الوطنية في مجالات التعليم والصحة والبنية التحتية وتنمية القطاعات غير النفطية، بما يؤدي الى تقليل اعتماد الاقتصاد الاحادي المبني على مورد واحد، ويوفر فرصا مستدامة للأجيال المقبلة كحق وواجب على ابناء الجيل الحالي.

 وفي كركوك على وجه الخصوص، يتوجب  أن تقترن هذه الجهود بخطط تنمية محلية تستجيب لاحتياجات السكان بمختلف مكوناتهم، وتحمي الأراضي والمياه، وتضمن فرصا متكافئة في العمل والخدمات بما يحقق العدالة الاجتماعية.

وفي الوقت نفسه، تقع المسؤولية على الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان والسلطات المحلية والقوى السياسية في وجوب التوصل إلى ترتيبات تحترم الدستور ومبادئه الاساسية، وتحمي الحقوق، وتمنع استغلال الموارد في الصراع على النفوذ والسلطة من دون الالتفات الى القيم الانسانية والمعايير الاخلاقية التي يمكن الركون اليها في تحقيق معالجات. 

كما يمكن للمؤسسات الدولية أن تقدم الدعم الفني لبناء الثقة عند الحاجة، لكن المسؤولية الأساسية عن الحل تبقى عراقية.

العدالة شرط للاستقرار

في الذكرى السنوية لاكتشاف النفط في باباكركر، لا ينبغي أن يقتصر السؤال على حجم الثروة التي يمتلكها العراق، بل يجب أن يتناول ما حققته هذه الثروة من تحسن في حياة مواطنيه، ومدى عدالة توزيع منافعها.

وهنا لا بد من الاشارة الى إن المظالم التاريخية لا تعالج بتجاهلها والتغافل عنها بقصد او بدونه، كما ان الاستقرار لا يتحقق بتجميد النزاعات إلى أجل غير معلوم والقفز على المشكلات القائمة؛ بل يتطلب الاعتراف بالحقوق، وجبر الضرر، وتنفيذ الدستور، وبناء مؤسسات تخضع للمساءلة وتحمي جميع المواطنين على قدم المساواة.

بعد قرابة قرن من اكتشاف النفط في كركوك، يظل التحدي الحقيقي أمام العراق ليس اكتشاف المزيد من الثروة، بل بناء نظام عادل لإدارتها؛ نظام يجعل النفط أساسا للتنمية والكرامة الإنسانية، لا أداة للإقصاء أو التنافس القومي والسياسي.

فالثروة الوطنية لا تصبح نعمة بمجرد استخراجها، بل حين تتحول إلى حقوق مصونة، وخدمات جيدة، وفرص متكافئة، ورفاهية مشتركة؛ وفي كركوك، كما في سائر العراق، تظل العدالة الشرط الأول لأي سلام مستدام.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon