الهندسة البيولوجية للحروب: مأساة الإنسان في زمن المصالح الكبرى
دعاء هزاع الجابري
لم تعد الحروب الحديثة تخاض عند حدود الجغرافيا وحدها ، ولم تعد الجيوش تقاس بما تمتلكه من دبابات وصواريخ وحاملات طائرات كعادتها ، فالعالم الذي دخل عصر التكنولوجيا الحيوية فتح أبوابا جديدة للصراع وجعل من الجسد البشري نفسه ساحة أخرى للمعارك الكبرى ، وبينما كانت الإمبراطوريات القديمة ترسل الجنود إلى ميادين القتال محملين بالسيوف والدروع ، تبدو القوى المعاصرة اليوم أكثر ميلا إلى التسلل إلى أعماق الإنسان ذاته ، إلى دمه وهرموناته وكيمياء جسده ، بحثا عن مقاتل أكثر قدرة على الاحتمال وأكثر طاعة وأشد صلابة في مواجهة أهوال الحرب
واليوم عند إخضاع جنود أمريكيين لفحوصات وعلاجات هرمونية لا يثير مجرد تساؤلات طبية عابرة بل يفتح بابا فلسفيا واسعا حول الحدود الفاصلة بين حماية الإنسان واستثماره ، فحين يصبح الجسد مادة للدراسة العسكرية وتتحول الهرمونات إلى أدوات لتعزيز الأداء القتالي ، يبرز سؤال بالغ الخطورة وهو : أين تنتهي رعاية الدولة لأفرادها ، وأين يبدأ استغلالهم باسم الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية ؟ ، فالطالما كانت السياسة عبر التاريخ بارعة في إعادة تعريف الإنسان بما يخدم أهدافها ، مرة بوصفه مواطنا ومرة بوصفه عاملا ومرة أخرى بوصفه جنديا ، الا أن أخطر تحولات العصر الحديث تكمن في أن الإنسان لم يعد يستنزف بقوة السلاح وحدها بل بات يعاد تشكيله بيولوجيا ونفسيا ليواكب متطلبات الصراعات المتغيرة ، ليغدو جسده بذلك مختبرا مفتوحا وتتحول الروح إلى رقم في تقارير المؤسسات الكبرى التي لا ترى في الفرد سوى حلقة صغيرة داخل ماكينة النفوذ العالمي ، لذلك فأن المأساة الكبرى اليوم لا تكمن في التجربة ذاتها بل في الفلسفة التي تقف خلفها ، تلك الفلسفة التي جعلت من التفوق السياسي والعسكري قيمة تتقدم على الإنسان نفسه ، ففي عالم تتصارع فيه الدول على النفوذ والهيمنة كثيرا ما تدفع الأخلاق إلى الهامش ويطلب من البشر أن يؤدوا أدوارهم بصمت حتى وإن كان الثمن صحتهم النفسية والجسدية أو حتى إنسانيتهم ذاتها
إن هذا المشهد المدار في عالمنا لا يخص دولة بعينها ، ولا يمكن اختزاله في مؤسسة عسكرية واحدة ، فهو انعكاس لعصر كامل بات يؤمن بأن كل شيء قابل للتطوير والاستثمار حتى الجسد البشري ، فالدول الكبرى التي تتنافس على صدارة العالم لا تتردد في تسخير العلوم الحديثة لخدمة مشاريعها الاستراتيجية ، غير آبهة بالأسئلة الأخلاقية التي تطرحها تلك الممارسات ، فالمفارقة الأكثر قسوة بذلك في أن الإنسان الذي صنع الحضارات وشيد المدن وكتب الفلسفات الكبرى دفاعا عن كرامته وحريته يجد نفسه اليوم أمام عالم يعيد اختزاله إلى معادلات كيميائية ومؤشرات بيولوجية ، وكأن البشرية بعد قرون من التقدم لم تنجح في التحرر من منطق الاستخدام بل اكتفت بتغيير أدواته ، فاستبدلت السلاسل القديمة بإبر المختبرات ، واستبدلت ساحات الاستعباد التقليدية بغرف الأبحاث المغلقة ، ومن خلال ما يجري اليوم في مختبرات القوة تلك يفرض على العالم سؤالا وجوديا عميقا وهو : هل وجد العلم ليحفظ الإنسان ، أم ليجعله أكثر قابلية للتوظيف ؟ ، وهل تستطيع السياسة وهي تركض خلف مصالحها أن تتذكر أن خلف كل مشروع استراتيجي قلبا يخفق ، وروحا تخاف ، وجسدا ليس ملكا للحروب مهما تبدلت أشكالها ؟ ، فحين تصبح الأجساد وقودا للمنافسة الدولية لا تكون الأزمة أزمة طب أو سياسة بمعناها الاعتيادي ، بل أزمة حضارة كاملة ما زالت تبحث وسط ضجيج القوة عن المعنى الحقيقي للإنسان .