مجتبى الخامنئي.. الأداة الأخيرة بيد الحرس الثوري

مجتبى الخامنئي.. الأداة الأخيرة بيد الحرس الثوري

د. شوان زنكَنة

2026-03-17T20:29:58+00:00

كتبتُ مقالا حول اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زادة بتأريخ 3/12/2020، ذكرتُ فيه الصراعَ الداخلي بين الحكومة والحرس الثوري، والخلافَ الشديد حول الاتفاق النووي والصراع مع الغرب، وأكّدتُ على سعي الحرس الثوري لاحتواء مقام المرجعية والحكومة والسيطرة التامة عليهما، وكان مُخطَّطُه للسيطرة على المرجعية هو انتخابُ مجتبى الخامنئي بعد وفاة والده مرشدا للنظام، باعتبار ولائه المطلق للحرس الثوري.

وقد كتبتُ في المقال الآتي: 

{الصراعُ القديم الجديد المُزمِنُ بين الحرس الثوري والحكومة الإيرانية.. محورُالصراع ومركزُ ثقله هو الخامنئي، أو مقامُ المرجعية، ونَزعاتُ الصراع هي قدرةُ التأثير على مقام المرجعية، وتوجيهُه أو إستغالُه ، وطبيعةُ الصراع هي تلك الْمُتمثِّلة في صيغةِ التّعاملِ مع القوى العالمية المتصارِعة وتثبيتِ مَوطأِ قدمٍ بينها.

 الخامنئي، وفي الأساس الرابع من أسُسِه العشرة في فقه المستقبل لديه، يؤكّدُ على ضرورة التنافس والتعاون مع القوى العالمية المُتصارِعة والحضارات البشرية بدل الحرب، وبالتالي فهو يميل الى التفاوض والتنافس والقوة النّاعمة بعيدا عن الصراعات الساخنة والحروب، وهو بذلك يُعتبَرُ قريبا من تَوجُّهاتِ حكومةِ روحاني، وبعيدا نوعا ما عن تَوجُّهاتِ الحرس الثوري المَيّالَةِ إلى العنف والحرب، خاصّةً بعد مقتل سُليماني الذي يُعتبَر الأبُ الروحيُّ لمفهوم القوة النّاعِمة.

قيادةُ الحرسِ الثوريِّ تَعتبِرُ الاتّفاقَ النوويّ مُعيقًا ومُعرقلًا لأنشطة إيران النوويّة، وأن هذا الاتفاق كان خطأً من أخطاءِ الحكومة، وتسعى الى عدم الرجوع إليه، وهي ترى، كذلك، ضرورةَ جاهزيّةِ المقاومة في كلِّ صنوف الحرب الهَجينة، واستخدامَ الوكلاء في المواجَهات، وتعزيزَ إنتاج الصواريخ البالستية، وعدمَ اتخاذ وضع البادئ بالهجوم )انسجاما مع توجُّهاتِ ورُؤى الخامنئي بهذا الخصوص)، كآلِيّةٍ لإدارة دفّةِ الصراع مع الغرب.

فيما ترى الحكومةُ في إدارتها لدفّة الصراع مع الغرب، ضرورةَ العودةِ الى الاتّفاق النووي، ورفعَ الحصارِ الاقتصادي، وإستخدامَ القوةِ النّاعمة في الصراع مع الغرب (انسجاما مع توجُّهات ورُؤى الخامنئي بهذا الخصوص).

الطرفانُ يسعيان للتّأثير على مركز القرار ومقامِ المرجعيّة، الخامنئي، والحصولِ على تأييده في إدارة دفّة الصراع مع الغرب، ولكون موقف الخامنئي مع العودة للاتّفاق النوويّ المُنسجِمِ مع توجّهات الحكومة، لذا يَسعى الحرسُ الثوري، بشكلٍ جدي ومُتواصِلٍ، منذ سنوات إلى تحقيقِ نجاحاتٍ في إحكام سيطرتِها على النظام في الاتِّجاهاتِ التالية:

1- تهيئةُ الأجواءِ، وحشدُ التأييد اللّازم لفوزِ رئيس القضاء "إبراهيم رئيسي"ّ، المحافظِ والمُتشدِّدِ والمُقرَّبِ من الحرسِ الثوريّ، في الإنتخابات الرئاسية القادمة المُزمَعِ إجراءها في حزيران من السنة القادمة.

2- تهيئةُ الأجواء، وحشدُ التأييد اللّازم لإنتخاب "مجتبى خامنئي"، المحافظُِ المُتشدِّدِ واليدِ الطُُّولَى للحرس الثوري لدى مقامِ المرجعيّة، خلفًا لوالده بعد وفاته، وبذلك يضمنُ الحرسُ الثوري ولاءَ المرجعيّةِ له، وسهولةَ التأثير عليها.

3- اتخاذُ كلِّ الوسائل والسبل المُمكِنة للتأثير على الرّأي العامِّ الإيراني، وذلك لإثارتِه وحشدِه وتحريكِه باتّجاهِ الغضب من أمريكا وإسرائيل، وذلك لإحراجِ الحكومة ومنعِها من التفاوض، وحَصْرِ الخِيارِ أمامَ الخامنئي في المواجهة مع الغرب، ومنعِ التفاوض}.

بعد هذه السنين التي مضتْ على مقالي أعلاه، تبيّن أنّ استقرائي بحق مجتبى الخامنئي كان صائبًا، فقد فرضَه الحرسُ الثوري بعد اغتيال والده، بشكلٍ تَعسُّفيٍّ لا دستوريٍّ على الأمة الإيرانية كمرشد يخلفُ والدَه، وذلك لإحكامِ القبضة على مقام المرجعية، وفرضِ الحرب في المنطقة، وخوضِ المعركة الفاصلة: إما الحِفاظُ على المصالح والمكاسب والاستمرارُ في الهيمنة الإقليمية، أو النهايةُ الحتميةُ بالحربِ المُدمِّرَةِ.

لا حلَّ لعنادِ هذه الشِّلَّةِ الطاغية من قيادة الحرس إلا تَصفِيَتُهم جسديًّا، الواحدُ تِلْوَ الآخر، وتَحييدُ قوتِّها العسكرية والأمنية، وقد بدأتْ إسرائيلُ وأمريكا حربَهما الحاليةَ مع إيران باغتيال قادتِها، وستستمرّان على هذا النهج لتشملَ التصفيةُ قادةَ حزبِ الله اللبناني والحشدِ الشعبي العراقي، وقادةَ الحرسِ الثوري والقادةَ الأمنيين الإيرانيين.

طالتِ التّصفيةُ رئيسَ مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، العقلَ الإداريَّ للنظام الإيراني، وقائدَ البسيجِ غلام رضا سليماني، وستتركُ هذه التصفيةُ بصمتَها على مستقبل النظام الإيراني، فقد تؤدّي إلى زعزعة استقرار النظام، وخَلَلٍ في إدارتِه، بالتّزامُنِ مع خللٍ في السيطرة الأمنية داخلَ المدن نتيجةَ الهزّة التي اصابتْ، وستصيبُ مؤسسةَ البسيج، المسؤولةَ عن فَرْضِ الأمنِ في المدن.

ويبدو أنّ خطّةَ إسرائيل الحاليةَ لإسقاط النظام الإيراني مَبنيَّةٌ على تصفيةِ القادة وإخلاءِ السبيل أمام المواطنين للانقضاض على السلطة بعد فَقْدِ تَوازُنِها وإضعافِها بالضّرَبات الإسرائيلية. 

سيتمُّ قتلُ مجتبى، إنْ لم يكنْ مَقتولا، وكافّةِ قادةِ الحرس الثوري الذين تَسبَّبُوا في هذه الحرب، وأصرُّوا على الاستمرار في فرضِ الهيمنة على المنطقة، وتَهديدِ دولِ الجوار، وقد تَضطرُّ أمريكا إلى إنزال قواتِ المارينز على السواحل الإيرانية، وفرضِ السيطرة الأمنية على جزيرة "خارك"، الميناءِ الرئيسي لتصدير النفط الإيراني.

سيتمُّ فرضُ نظامٍ سياسيٍّ جديدٍ في إيران، خالِ الذّهنِ من السلاح النووي، ولا يحملُ تهديدًا لدول الجوار، ويُساهِمُ في عملية التّطبيعِ مع إسرائيل، ويَنفَكُّ سِياسيًّا ومَذهَبيًّا عن العراق، رغمَ استمرارِ العلاقات الاقتصادية بينهما، بل وتَعزيزِها أكثر من ذي قبلٍ لمنفعةِ الطرفَينِ. 

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon