محافظ كركوك التركماني
د. شوان زنكَنة
قبل انتخابات مجالس المحافظات العراقية التي جرت في كانون الأول من عام 2023م، واستنادا إلى قراءتي الواقعية للمشهد في محافظة كركوك، واستقرائي وتوقعاتي لنتائجها، ذكرتُ وكتبتُ أن الحكومة لن تتشكل بسهولة في كركوك، وإن تشكلت فستكون هشّة، قابلة للانهيار.
وفعلا.. ظهرت النتائج، وفق ما توقّعتُ، ودخل تشكيل حكومة كركوك في دوامة وحلقة مُفرَغة.
وقمتُ، من هذا المنطلق، بالاتصال بالجهات السياسية الفاعلة والمعنية في كركوك، وقدّمتُ لها مقترحا لحلّ هذه الأزمة، وهو إناطة منصب محافظ كركوك إلى القومية التركمانية، واختيار شخصية تركمانية تقبل بها كافة الجهات السياسية لكافة القوميات في كركوك.
وأول طرف عرضتُ عليه هذا المقترح، هو الجبهة التركمانية، ورغم استحسان رئيسها للمقترح، إلا أن الموقف التركماني كان منسجما مع الموقف التركي في حينه، من أن المنصب يجب تدويره بين القوميات الثلاث في هذه الدورة، وهي فكرة، في نظري، كانت إنهزامية، إذ لاحظت، في حينه، أن التركمان وتركيا لم تكن نفسيا مقتنعة بامكانية قبول الأطراف الأخرى لهذا المقترح، ورغم ذلك، قبل رئيس الجهبة، في حينه، هذه الفكرة مبدئيا، ورضي بطرحها على الطرف المعني الاساسي، وهو الاتحاد الوطني الكردستاني،
وفعلا، عرضت الفكرة على الشخص المعني في الحزب، مسؤول فرع كركوك، لطرحه في المكتب السياسي، ولم أجد معارضة للمقترح، وإن استصعبه، بسبب توقعاته بردة الفعل العكسية من قواعد الحزب التي لا تستطيع هضمَ فقدِها للمنصب بعد أن خرج الحزب منتصرا وحائزا على اكبر عدد من المقاعد في الانتخابات.
هذه كانت حجته، وهي كانت ضعيفة في نطري، وذكرت ذلك له، ثم قدمت عدة مقترحات شبيهة وذات صلة بالمقترح الأصلي، وحاولت التقريب بين وجهتي نظر الجبهة التركمانية والاتحاد الوطني الكردستاني.
بعد فترة، تمّ سرّا، عقد اجتماع في فندق الرشيد ببغداد، تمخّض عنه تشكيل حكومة، همّشتْ التركمان وقسما من الكرد والعرب.. وكتبتُ في حينه أن حكومة تتشكّل بهذه الطريقة ستكون، حتما، حكومة هشّة، وقد تعرضّت للانهيار عدة مرات، كما توقّعتُ.
ويبدو أن الأحداث في العراق والمنطقة قد دفعت الاتحاد الوطني الكردستاني إلى العودة إلى مقترحي الذي قدمته له قبل اكثر من سنتين، فتنازل، في أجواء مشحونة ومتوترة وحساسة، وباسلوب مشبوه، لا يختلف عن اسلوب اجتماع فندق الرشيد كثيرا، عن منصب المحافظ للجبهة التركمانية.
ضيّع الاتحاد الوطني الكردستاني الوقت والجهد، وقَبِلَ بما هو صحّ، في ظلّ ظرف يجعل هذا القبول الصحيح يبدو تنازلا، لا تستطيع قاعدته، ولا كثير من أكراد كركوك هضمه، وسيكون هذا القبول بداية لتنازلات أخرى، سنشهدها، حتما، في المستقبل القريب.
بينما، لو كان الاتحاد الوطني الكردستاني قد قبل مقترحي، في حينه، لكان سيحصل على تنازلات كثيرة ومهمة وحساسة من تركيا، وقد شرحت تلك المسائل لمسؤولي الحزب، ونقلت ما سمعته من تركيا، ومشاهداتي فيها، ومعايشتي لاحداثها السياسية لهم، وعلى ضوئها دعمت مقترحي وبيّنتُ أهميته الاستراتيجية.
أتمنى أن يكون الاتحاد الوطني الكردستاني قد أخذ دروسا مما جرى في كركوك، وأتمنى للمحافظ التركماني الجديد، بعد تقديم تهانيّ وتبريكاتي الحارة له ولشعبنا التركماني العزيز، أن يفتح صفحة جديدة في كركوك، مليئة بالاستقرار والازدهار والتعايش السلمي.
أكرر.. لا يصحّ إلا الصحّ.. والأصحّ هو توافق الصحّ مع وقته، وعدم تأخّره.