النظامُ المُونَارْشِيُّ المُعَدُّ للعراق

النظامُ المُونَارْشِيُّ المُعَدُّ للعراق

د. شوان زنكَنة

2026-05-02T10:51:32+00:00

رسمَ توم باراك صورةَ أنظمةِ الحكم في الشرق الأوسط، في منتدى أنطاليا الدبلوماسي، حينما قال: "الشيء الوحيد الذي ينفع في الشرق الاوسط هو القيادة الفردية القوية في الحكم، إما مؤسسات مونارشية (حكم الفرد الواحد) رحيمة، أو مونارشية مشروطة". وقال أيضا: "هناك نظام عالمي جديد تَحُلُّ فيه المناطقُ قضاياها ومشاكلَها بنفسها، وسنتدخّل عند الضرورة... واتفاقيةُ الحماية العسكرية والأمنية المعمول بها عالميا منذ 1945 آخذِةٌ في التغيّر، ويجب على كل دولة أنْ تَتحمّلَ مسؤوليةَ شؤونِها".

وعلى غرار ما جرى في سوريا من سيطرةِ قيادةٍ فرديةٍ تمَّ تعزيزُها وتقويتُها، كان من المفروض أن تسيطرَ قيادةٌ، إسلامية سنّية متطرفة، على زمام الأمور في العراق، بالتزامن مع تطورات الحرب على إيران، إلّا أنّ الاتجاهَ نحو الضغط لتحييد دورِ الحرس الثوري، ودعمِ الجناح السياسي، والتريُّثِ لإنضاج هذا الاتجاه، من جهةٍ، والخلافَ الشديدَ بين تركيا وأمريكا بخصوص اجتياحها العسكري لشرق الفرات ومناطق من إقليم كردستان، ودورِ الكرد في غرب إيران لزعزعة النظام الإيراني، من جهةٍ أخرى، تسبّبَ بصرف النظر عن هذا النمط من التغيير في العراق.

نظامُ الحكم في العراق الذي اصطنعه الاحتلال بعد 2003م قائمٌ على حصر السلطات التنفيذية، وبشكل واسع، بيد رئيس مجلس الوزراء، وتهميشِ دور الرئاسات الأخرى، وبالتالي، مُورِسَ في العراق، طيلة هذه الفترة، حكمًا شبيها للحكم المُونارشيّ، إذ كان رئيس الوزراء، في كلّ الحكومات المتعاقِبة، فردًا قياديًّا يتمتّعُ بصلاحيات تنفيذية واسعة، في ظلّ رئاساتٍ، وهياكل الدولة الرمزية أو المُهمَّشةِ، وهو ما يجعلُ نظامَ الحكم هذا ملائِمًا لما تريدُه أمريكا وتسعى إليه، بالخِلْقَةِ والطّبيعة التأسيسيّة.

لذلك، فلو تمَّ اختيارُ رئيسٍ لمجلسِ الوزراء من خارج المنظومة السياسية، وتمَّ اسنادُه من الدول الفاعلة، وتمَّ دفعُ الأحزابِ السياسية إلى دعمه وتنفيذِ أوامره، فإنّ مواصفات النظام السياسي الذي تريده أمريكا ستَتحقَّقُ، وسيدخلُ العراق ضمن منظومة النظام العالمي الجديد، ولا يهمُّها بعد ذلك إنْ كان هذا النظام فاسِدًا، وناهِبًا لثروات شعبِه، وخادِمًا للمصالح الأجنبية، وخائِنًا للوطن والشعب والقِيَمِ والمبادئِ والأعرافِ.

لم تكن أمريكا مهتمَّةً بشكل النظام العراقي المستقبلي، إلا بالقدر المتعلق بالتغييرات في الشرق الأسط، ولن تتدخّلَ في تأسيس نظامه السياسي، إلا بالقدر المُتعلِّقِ بمصالحها، والمساعدةِ في تهيئة الأجواء لقيام حكمٍ مُونارشيٍّ فردي قوي، يُخرِجُ العراق من عَباءَةِ إيران، ويُهيِّئُهُ لمشاريع التطبيع ويعيدُه للحضن العربي.

لقد مَرَّ العراقُ بفترةِ مخاضٍ عسيرٍ، بعد الانتخابات البرلمانية، وتَعرقَلَ تشكيلُ الحكومة الجديدة، الذي كان واضحا أنّه سيتعرقلُ، ويتعرّضُ لبازارِ المساومات والصفقات، وكل ذلك، وأمريكا ساكتة لا تتحرّك، إلّا في حدود أمنها القومي والحرب على إيران، وفرضِ بعض العقوبات والتلويحِ ببعض الاعتراضات، وبالأخصّ اعتراضها على ترشيح المالكي.

ثم، تمخّضَ عن كل ذلك ترشيحُ اسمٍ مجهولٍ لم يخطرْ على بال أحد، ولا يعرفه العراقيون، ولم يسمعوا عنه إلّا في نطاق ضيّق، وهو ما كنتُ أردِّدُهُ دومًا، من أنَّ رئيسَ الوزراء القادم للعراق سيكون شخصًا من خارج المنظومة السياسية، ولا يخطرُ على بال أحد، وهذا الذي حدثَ، إذ تمَّ ترشيحُ علي الزيدي، المجهول عند العراقيين، لرئاسة مجلس الوزراء. 

وبعد هذا الترشيح.. العراق أمام احتمالين:

الاحتمال الأول: أنْ يتمَّ التعويلُ عليه، أمريكيا وإقليميا، ما عدا إيران، في تأسيس نظامِ حكمٍ مُونارشيٍّ جديدٍ في العراق، وبناءً عليه، سَيأتِيه الدعمُ المفتوحُ من الداخل والخارج، وهذا يعني إعادةُ تشغيلِ الفلمِ الذي تمَّ تصويرُه في سوريا، وبنمطٍ عراقيٍّ.

وفي هذه الحالة، وحتمًا، يخطرُ على البال، شئنا أم أبينا، طرحُ الأسئلة الوجيهة التالية:

كيف سيتمكّن الزيدي من تشكيل حكومةٍ في ظل التناقضات العويصة، محليا ودوليا؟

كيف سيُمكِنُه توزيع المقسوم على الذين أتوا به إلى السلطة بصيغةٍ يرضون بها؟

كيف سيديرُ الاقتصاد، وهو المُهرِّب الفاسد المُعاقَب أمريكيا؟

كيف سيتعاملُ مع الميليشيات الولائية، وهو فردٌ لا حزب له ولا جماعة ولا سلاح؟

كيف سيتعاملُ مع إقليمِ كردستان، وحكومتِه، وحزبيه المتسلِّطَينِ فيه؟

كيف سيديرُ حكومةً، وهو لا يزالُ صبيًّا في إدارة الدولة، وبلا خبرة، ولا تجربة، ولا تأريخ سياسي، ولا تأريخ اقتصادي، غير فترة السلب والنهب في ظل حكومات الاحتلال؟

الاحتمال الثاني: أنّه ليس الشخصَ المُعوَّلَ عليه في تأسيس نظام حكمٍ مُونارشيٍّ جديدٍ في العراق، وفي هذه الحالة سيُضيِّعُ شهرًا من الوقت في بازار تشكيلِ الحكومة من غير طائلٍ، وسيعيدُ التكليفَ إلى رئيس جمعورية العراق، لترشيحِ غيره، وسيعودُ العراقُ إلى المربّع الأول.

ويبدو أنّ الاحتمالَ الأول هو الراجحُ، بل والمناسبُ لما صَورَّهُ توم باراك عن أنظمة الحكم في الشرق الأوسط، وسنشهدُ، معًا، إنْ تشكَّلتِ الحكومةُ العراقية الجديدة برئاسة الزيدي، ذوبانَ العراق في المنظومة العالمية الجديدة، خارجيًّا، وتغييراتٍ سياسيةً واقتصاديةً في المجتمع العراقي مقترِنةً بمخاضٍ عسيرٍ من التجاذُباتِ السياسية والاجتماعية والاقتصادية، داخليًّا.. ولن تَتحَقَّقَ النقلةُ الإيجابيةُ المَرْجُوَّةُ في مصير ومستقبل المجتمع العراقي في ظل هذه التطورات والتحركات والتوجهات المحلية والعالمية.

 لكن، وفي خِضَمِّ هذه الأحداث، أرى أنّ الفرصةَ قد توفَّرتْ للقوى والمؤسساتِ والنُّخَبِ الوطنيةِ لكي تتحرَّرَ من حالة التهميش التي تعاني منها، وتُمارِسَ دورَها الإيجابيَّ الفعّالَ، من أجل بناء مجتمع مُعاصِرٍ مُزدهِرٍ، في ظلِّ تَراجعِ، بل وفشلِ، الدورِ الإيراني، وانعدامِ المشروع الأمريكي والتركي في صياغة نظام الحكم في العراق، ووجودِ هامشٍ كبير لأداءِ دورٍ وطني بناء، محليًّا، من قبل النُّخب الوطنية.. فهل استوعبَ العراقيون هذه المُستجدّات، وفهموا أنّ المشاريعَ الأجنبيةَ، إما فاشِلةٌ أو معدومَةٌ، وأنّ الساحةَ مُتاحَةٌ للعبِ دورٍ وطنيٍّ مَحليٍّ مُستقِلٍّ؟

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon