قانونُ إعدامِ الأسرى الفلسطينيين.. قانونُ ردعٍ لضمان أمن إسرائيل المستقبلي
د. شوان زنكَنة
أقرَّ الكنيست الإسرائيلي، الاثنين 30/3/2026، وبشكلٍ نهائي، قانونَ إعدامِ الأسرى الفلسطينيين، الذي يمنحُ المحاكمَ العسكرية صلاحيةَ إصدارِ أحكامٍ بالإعدام بحقِّ الفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين تحت مبررات "دوافع قومية أو عدائية" أو بقصد الإضرار بإسرائيل، وهي خطوةٌ تعكس تَوجُّها تشريعيا واضحا نحو تشديد العقوبات بهدفٍ سياسي مقصود.
وقد مرّرَ الكنيست مشروع القانون بأغلبيةٍ مُريحةٍ مَدعومَةٍ من التيار اليميني القومي بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وتيار اليمين المتطرف بقيادة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، إذ وافق عليه 62 نائبا وعارضه 47 نائبا.
ويكرّسُ نصُّ القانون نطاقَ تطبيقه على فئةٍ بعينها، إذ يقتصر على الحالات المرتبِطة بخلفيات "أيديولوجية أو قومية"، وبهذا الخصوص، قال عضو الكنيست عن حزب الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، عوفر كسيف، إن "مشروع القانون ينصّ فعليا على تطبيقه على المواطنين العرب فقط في حال إدانتهم بتنفيذ عمليات قتل"، ولكن الحقيقةَ، أن القانون لا يستهدفُ الفلسطينيين الأسرى الذين قاموا بتنفيذ عمليات قتل، فحسب، بل سيتعدّاهم لغيرهم، إذ إن الاحتلال يسعى من خلال هذا التشريع إلى توسيع دائرة الاستهداف لتشملَ المشاركين أو المخططين أو المساعدين في العمليات، وليس فقط منفّذيها.
وسوف لن يقتصرَ تنفيذُ هذا القانون على الأنشطة القومية (العربية)، والأيديولوجية (الإسلامية السنّية) المُعادِية في داخل إسرائيل، بل سيقوم الكيان الصهيوني، واستنادًا إلى هذا القانون، وملحقاتِه التي ستلحقه، برصدِ كلِّ التحرّكات اللاسامية، المُعادية له في العالم، وتشخيصِ ناشطيها، والتنسيقِ مع الجهات الأمنية العالمية، لِتَلفيقِ التُّهَمِ بهم والقاءِ القبض عليهم ونقلِهم إلى إسرائيل لمحاكمتهم وفق هذا القانون، وذلك للتخلص منهم، من جهةٍ، ولترهيبِ غيرهم، ورَدعِهم عن النشاط ضد إسرائيل مستقبلًا، من جهةٍ أخرى.
خطورةُ هذا القانون (المَقْصَلة) لا تكمنُ في إجحافه بحقِّ الأسرى الفلسطينيين، والتجاوزِ على حقوقهم المَضمونَةِ بالقوانين والأعراف الدولية فحسب، بل تكمنُ في استخدامه، مستقبلًا، كأداةِ ردعٍ لكلِّ نشاطٍ سياسيٍّ مُعادٍ لإسرائيل، ضمانًا لأمنِ إسرائيل، وهو نذيرُ شُؤمٍ للتيار الإسلامي السنّي، الذي سينشطُ، حتمًا، ضدَّ أيّةِ دولةٍ يهوديّةٍ يقومُ التيارُ القومي اليميني اليهودي، بقيادة نتنياهو أو غيره بتأسيسِه، لذلك، لا خيارَ أمام التيار الإسلامي إلا السَّعْيُ لإعاقةِ هذا القانون، ومنعِ استخدامه لتصفية الوجود الإسلامي السنّي، حَالًّا، ومُستقبلًا.
ويجبُ أن يتركَ المسلمون، أينما كانوا، الانصياعَ وراء العواطفِ، والسرديّاتِ الخيالية المُخدِّرةِ للعقل المُسلم، والعُنْجُهِيَّاتِ، والعَنتريّاتِ، وأن يركَنوا للعقل والمنطق في تَبنِّي وتشخيصِ آثار ومآلات هذا القانون، وأن يتّخِذوا الإجراءاتِ التالية:
1- قيامُ فقهاءِ القانون والقانون الدولي بدراسة هذا القانون دراسةً مُستفيضَةً، وتحديدِ مواطن القوة والضعف فيه، ومن خلالها القيامُ بالطعن في القانون وفق الأعراف القانونية الإسرائيلية.
2- قيامُ منظّماتِ حقوق الإنسان، وحقوق الأسير الفلسطيني، والمنظّمات الشبيهة المسانِدة للقضية الفلسطينية في إسرائيل، بتشكيلِ لوبي ضغطٍ لضمانِ العُدولِ عن هذا القانون.
3- التنسيقُ مع النواب المعارضين للقانون، وعددهم 47 نائبا، لتشكيل لوبي ضغطٍ داخل البرلمان، وبيانِ مواطن الضعف والخَلل والغُموض في القانون، وتحريكِ أحزاب المعارضة ضدّه، وبمنطقِ تَسبُّبِ هذا القانونِ في رفعِ وتيرةِ الاضطراباتِ والتوتّراتِ والعداءِ في إسرائيل.
4- مراجعةُ المحافلِ الدولية، ومؤسّساتِ الأمم المتحدة المعنية، والدوائرِ المَعنيّة في الدول المُتضامِنة مع القضية الفلسطينية، وحَثُّها على الضغط على إسرائيل لإلغاء هذا القانون، وقطعِ الطريقِ عليها لإصدارِ أمثالِه في المستقبل.
5- هذا القانونُ، تَحذيرٌ مُبكِّرٌ للتيار الإسلامي السنّي، لما سيُلاقيهِ في المستقبل القريب من نتنياهو وتيّارِه العنصري العقائدي، وهو ما يجبُ أن يدفعَه، من الآن، وقبلَ فَواتِ الأوانِ، إلى رَصِّ صُفوفِه، وإعادةِ بنائها وفق مُستجدّاتِ هذا القرن وأحداثِه، وصياغةِ مشروعٍ نَهضويٍّ بنّاءٍ جديدٍ، يصنعُ رجالَ دولةٍ، ويحفظُ بُنْيَةَ النَّسلِ القادمِ عقائديًّا وثقافيًّا ونفسيًّا.
هكذا قَرأتُ هذا القانونَ، وهذه هي تَوصِيَتِي.. ألا هلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ فاشهدْ!