سياسة تتبدّل… ومعاناة لا تتغيّر
د. علي أحمد الزبيدي
مع دخول بلدنا عامًا جديدًا، وإطلاق العيارات النارية والمفرقعات من قبل المواطنين، تُهدر ملايين الدنانير التي صُرفت، فيما تُجنى ملايين الدولارات لتصبّ في خزائن دولة الصين العظيمة التي تصنع كل شيء، ونحن – بكل أسف – نستورد كل شيء.
حتى التفاهة والانحلال استوردناهما.
ومع بداية هذه السنة، ينقطع التيار الكهربائي عن بيوت الشعب، ولا سيما الفقير والمسكين منهم، ولا نعرف لماذا هذا الاستخفاف بهذا الملف الخدمي الحساس، ولماذا هذا السيناريو المكرر مع كل موسم. فصيفنا لاهب نحترق فيه بحرّه، والكهرباء الوطنية – بطبيعة الحال – مقطوعة، وفي الشتاء يقرصنا البرد، والكهرباء أيضًا مقطوعة.
وإذا ما سُئل المسؤول عن السبب، اخترع لنا تبريرات باتت مكشوفة وممجوجة، تشوّه طبلة الأذن قبل أن تقنع العقل.
أكيد أن الجميع اليوم منشغل بـ«الفيلم المكسيكي المدبلج» المسمّى تشكيل الحكومة، واختيار رئيس وزراء، وتقاسم المناصب الوزارية بين الأحزاب، مع إعداد سيناريوهات الكسب والسرقة والتسلّط والجاه والمقاولات.
الشعب يختار ويصوّت، ليأتي بنواب يمثّلونه… لكن في الخيال العلمي فقط.
أما واقعهم، فهم مجرّد أدوات لإشباع غرائزهم المادية، وتنفيذ ما يُملى عليهم من أحزابهم السياسية. وها هو دورهم قد حان للتصويت على حكومة جديدة بالاسم فقط، فالأشخاص هم أنفسهم تقريبًا، ولا يتغيّر شيء سوى رتوش بسيطة في الأسماء والمناصب والمحتوى.
جلستُ صباحًا في هذا العام الجديد، أسمع جاري يصرخ بأعلى صوته: «أين الفطور؟»، فيما كان أحفاده ليلًا قد حوّلوا الشارع إلى ساحة حرب، بما أطلقوه من ألعاب نارية في ليلة رأس السنة الميلادية.
المفارقة المضحكة أن هذه المناسبة تخصّ إخوتنا المسيحيين، ومع ذلك لم أرَ أحدًا منهم محتفلًا، إلا قلة قليلة.
أما بقية شعبنا، فالكل فرِح وسعيد، لا بالمناسبة، بل للرقص والغناء و«شرب» البيبسي والعصير! أغلبهم لا يعرف أصل المناسبة ولا معناها، لكن وفرة المال جعلت الكثيرين مسرفين حدّ الفجور في البذخ، وبأسلوب غير طبيعي على الإطلاق. حتى الفرح، عند بعضهم، يُعبَّر عنه بطريقة غير حضارية ومبتذلة، تجعل منهم مادة للسخرية والانتقاد.
هم أنفسهم تراهم في الاحتفالات والأعياد، وفي ملاعب كرة القدم، وسنراهم قريبًا في موعد الزيارة الرجبية.
في المرح أساتذة، وفي اللطم والعويل خبراء، وفي التطبيل والتزمير علماء، وفي الغيبة والانتقاد والتسقيط فلاسفة.
إلى هنا أكتفي بهذا التذمّر من الواقع. فالكهرباء قصة بسيطة، مضى عليها أربعة وعشرون عامًا، تنقطع في جميع الأشهر إلا في الربيع، وهو موسم التصريحات الرنّانة للمسؤولين.
أما أزمة الغلاء المعيشي، فحلّها – كما يبدو – أسهل مما نتصور: نزّل برنامج «تيك توك»، واستعن بخلفيتك الثقافية، وأظهر رحابة صدرك، وبهذا «ستُرزق»، والرزق حلال… أكيد!
وأما أزمة السياسيين، فابتعد عنها؛ فهم يتشاجرون صباحًا، ويتصالحون ليلًا، وأنت تتفلسف على مواقع التواصل.
وأخيرًا، السلام على أهل المطاعم والكافيهات والصالونات، وكل عام وأنتم برزقٍ وعافية، وسيارات… وتاهوات.