الحرب على إيران ومستقبل الشرق الأوسط

الحرب على إيران ومستقبل الشرق الأوسط

د. شوان زنكَنة

2026-03-14T10:43:49+00:00

مضى حوالي أسبوعان على الحرب الإسرائيلية الإيرانية، وتشكّلتْ من نتائجها، لحدّ الآن، صورةٌ متشابكة ومتناقضة في الشرق الأوسط، يصعب من خلالها استقراءُ ما تَؤول إليه الأحداثُ في اليوم التالي للحرب.

ففي الجبهة الإيرانية، هناك دمارٌ شامل وعلى كافة الأصعدة، في مقابل عنادِ شِلّةٍ من قادة الحرس الثوري، تحرصُ على مصالحها ولا تُعير اهتمامًا لما يعانيه المواطن، وتَبثُّ العنتريات في تصريحاتها، وتُوحي بتماسكها، من خلال فرض مجتبى الخامنئي على الشعب الإيراني، بالقوة والترهيب والتعسّف اللادستوري.. هذا العنادُ هو العائقُ الوحيد أمام تَغييرِ النظام في إيران، وليس العائقُ هو العسكرةَ الإيرانيةَ، أو معنوياتِ الأمةِ الإيرانيةِ وحكومتِها المُسيَّرةِ بإرادةِ الحرس الثوري، أو اقتصادَ المقاومةِ الهزيلَ الذي تَتبجَّحُ به القيادةُ الإيرانيةُ، ويبدو أن هذا العنادَ ليس بسبب الطبعِ الفارسي لدى القيادةِ المتسلّطةِ فحسب، بل بسبب دعمِ وتحريضِ روسيا وتركيا لها بالتشبَّثِ بالسلطةِ وعدمِ التنازلِ عنها.

إذا لم يَندحِرْ هذا العنادُ قريبًا، فإن إسرائيل ستقوم بتدميرِ كافة مفاصل الاقتصاد الإيراني والبنى التحتية، وتحريكِ الشارع الإيراني ودعمِه، مع هجماتٍ برية تبدأها الفصائلُ المعارِضة المسلحة، وبالأخص الكردية، وإن عارضتْها الإرادةُ السياسية التركية، وستتوسّع الحربُ لتشمل دول أخرى، تأتي تركيا على رأس قائمتها، وستنتهي الحربُ بتفاهمات بين الجهات المتصارعة على تشكيلِ ذهنيةٍ جديدةٍ في إيران، من داخل النظام أو من خارجه، تتوائَمُ مع الأوضاع الإقليمية الجديدة، وتنكمشُ على الداخل الإيراني، ولا تشكّلُ تهديدًا لما حولها.

النظامُ الإيراني قصفَ دولَ الخليج، وأصدقاءَه المقرَّبين، أكثر من قصفه لإسرائيل، وأضرّ باقتصادها وأمنها بشكل كبير، بحجة وجود القواعد العسكرية الأمريكية فيها، في حين أن سلطنةَ عمان، حليفتَه، تخلو من القواعد العسكرية الأمريكية، لكن تعرّضتْ موانئُها والسفنُ الراسية فيها، ومنشآتُها النفطية للقصف والتدمير، كما أن المنشآتِ النفطيةَ والاقتصاديةَ وموانئَ كافة دول الخليج تعرّضت للقصف والتدمير من قبل النظام الإيراني.. ويقصدُ النظامُ الإيراني من هذا النشاط الحربي دفعَ دول الخليج للضغط على أمريكا وإسرائيل لإيقاف الحرب، من جهةٍ، وتوسيعَ نطاقِ الحرب، عسى أنْ تُتاحَ له فرصةَ تجنّبِ سقوطه، وضمانِ استمراره في الحكم، من جهةٍ أخرى. 

أما في الجبهة التركية، فإن الائتلاف الحكومي يتحيّنُ الفرص، ويختلقُ الحُججَ، لاجتياحٍ عسكريٍّ يبدأ من شمال سوريا لغاية كردستان إيران، مرورًا بسنجار وشمالِ إقليم كردستان العراق، وقد أعدَّ هذا الائتلافُ نفسَه، وعلى لسان قادتِه، لسيناريو عسكرةِ المناطق الكردية وفقَ ما تَتمخَّضُ عنه تطوراتُ الحرب الإسرائيلية-الإيرانية، فقيادةُ هذا الائتلاف تعلمُ جيدا أن الأوضاعَ في المنطقة، وبالأخصِّ المنطقةِ الكردية، بعد الحرب هذه لن تكونَ مثل ما كانت عليه قبلَها، فهي تتوقَّعُ فراغًا أمنيا في المناطق الكردية بعد الحرب، بل هي متأكدةٌ من ذلك.

مشكلةُ الإدارةِ السياسية في تركيا، أنّها تَبني سياستَها الداخليةَ والخارجيةَ وفقَ فهمِها للمسألة الكردية، وتتصرّفُ على أساس العداء للوجود السياسي والعسكري الكردي في كلِّ المنطقة، وليس في تركيا فحسب، وتَسعى، جاهدةً، إلى تطويع هذا الوجود لإرادتِها، لأنّها تعلمُ جيدا أنها مَحكومَةٌ بالتحالف مع هذا الوجود في ظلِّ النظام الجديد في الشرق الأوسط.

على التيارات الكردية في المنطقة أنْ تَعِيَ هذه الحقيقةَ، وتتعاملَ معها بكلِّ مرونةٍ، وأنْ تَتجنَّبَ المواجهةَ مع الأتراك، لحين اليوم التالي للحرب، على أنْ تُعِدَّ ورقةً سياسية مشتركة، وتضعَها على الطاولة التركية والغربية، لاثباتِ وجودِها وحقوقِها، وفقَ المعايير العالمية لحقوقِ الإنسان، وحقوقِ الأمم، ومشاركتِها في رسم النظام السياسي المستقبلي لدول المنطقة.

وأما في الجبهة الإسرائيلية، فهذه الحرب هي صراعٌ على البقاء بالنسبة لها، ولا بُدَّ أنْ تُنْهيها لصالحها، وتُنهي معها تهديدَ إيران ووكلائِها في المنطقة، وقد أظهرتْ تقدُّمًا واضحًا في هذا المجال، وإنْ لم تَنتَهِ نهائيًّا بَعْدُ منه.

فهناك خروجٌ مُنظََّمٌ لخبراء روسيا العاملين في محطة بوشهر النووية، وعودتُهم إلى بلادهم، بالتزامن مع هُروبِ قادةِ الحرس الثوري الذين كانوا يُديرون أنشطةَ حزبِ الله في لبنان، بعد أنْ تمَّ قتلُ العديد منهم مؤخّرًا، وقد تمَّ ترحيلُهم بالطائرات إلى روسيا، بالتزامن مع الاجتياحِ البريّ الإسرائيلي لجنوب لبنان وهجماتِها الجوية على بيروت والبقاعِ وباقي أجزاءِ لبنان.

وقد جاءت تصريحاتُ نتانياهو لتؤكّدَ عزمَ إسرائيل على تَحْييدِ الدورِ الإيراني في المنطقة وإزالةِ تهديداتِه نهائيًّا، ليتسنّى لها تأسيسُ دولتِها اليهوديةِ التي لم يبقِ أمامها عائقٌ إلا هذا النظام.. فمشروعُ النظامِ الإيراني يتعارضُ مع المشروع اليهودي في الشرق الأوسط، ولن يسمحَ التيارُ اليهودي اليميني القومي للتيارِ الفارسي المُتشيِّعِ أنْ يَتسلَّطَ، أبدًا، في المنطقة.

ولا أهمية لضربات إيران الصاروخية على إسرائيل، فقد تركتْ خسائرَ ماديةً وبشريةً محدودةً، لحدّ الآن، أو لِنقُلْ أنّ إسرائيلَ قادرةٌ على تَحمُّلِها بسهولةٍ، بل أنّ الضرباتِ الإيرانيةَ على دول الخليج أضرَّتْ بها أكثرَ من ضرباتِها على إسرائيل، كما أنّ غلقَ مضيقِ هرمز يضرُّ بدول الخليج والعراق، ولا يَضرُّ بإسرائيل وأمريكا بشكلٍ مباشر، وقد تمَّ اتخاذُ التدابير الأولية بالنسبة لتوفير الطاقة، وسيتمُّ فتحُ المضيقِ بوسيلةٍ أو بأخرى، قريبًا.

وأما على الجبهة الروسية، فمن المؤكّدِ أنّ بوتين سَيستغِلُّ هذه الحربَ لِجَنِي أكبرِ قدرٍ من المكاسب، ومن جانِبَيِ الصراعِ، فهو سيَمدُّ الجانبَ الإيرانيَّ بقدرٍ مُنضبِطٍ من الدعم، لضمان استمرارية النظام الحاكم، قدرَ الإمكان، وسيستفيدُ من السماح الأمريكي لتصدير النفط الروسي إلى جنوب شرق آسيا، للمحافظة على استقرار أسعار النفط، وسَيُساومُ ترامب بشأنِ أوكرانيا.

وفي الجانب العراقي، كثَّفتْ أمريكا وإسرائيلُ ضرباتِهما الجويةَ على مواقعِ الحشدِ الشعبي العسكرية والتي تُمثِّلُ تهديدًا أمنيا عليهما، وقد تعرّضتْ هذه المواقعُ لخسائرَ فادحةٍ، على الرغم من سعيِ قيادةِ الحشد الشعبي لإظهار نفسِها بطلًا لا يُهزَمُ. 

لن تَتشكّلَ حكومةٌ في بغداد ولا في أربيل، كما كنتُ متوقِّعًا إبّانَ الانتخابات السابقة، في ظلِّ الظروف الراهنة، لعدم تَوفُّرِ مقوِّماتِ تشكيلِها، ولكن، ومع ظهور بوادر نهاية الحرب، سيَتشكَّلُ نظامٌ سياسيٌّ جديدٌ في العراق، وسيُعادُ رسمُ العلاقةِ بين الكرد وهذا النظام، بشكلٍ ينسجمُ مع تحالفٍ كردي-تركي في المنطقة، ولن يكون هذا النظامُ مختلفًا، عمومًا، عن النظام السياسي الذي تمَّ تأسيسُه مؤخَّرًا في سوريا.

إذا انتهتِ الحربُ خلال أسابيع، فهذا يعني عدمَ توسّعِها، ومحدوديةَ أضرارِها، وذهنيّةً جديدة تحكمُ في أيران، أما إذا طالتِ الحربُ، وتوسّعتْ، فإنّ نهايتَها ستكون مُبهَمَةً، بسبب تَشابُكِ مصالحِ الدول المتصارِعَةِ، وتَناقُضِ العواملِ المؤثِّرَةِ في الحرب، وستُؤدّي، حتمًا، في النهاية، إلى تعجيلِ مُخطَّطِ التقسيمِ المُزمَعِ تنفيذُه في المنطقة، شاءَ بعضُ الدولِ أم أبَى.

تأثيرُ هذه الحرب على الاقتصاد العالمي سيظهرُ على أسعارِ الطاقة، وسلاسلِ الإمدادات، وستتأثّرُ الدولُ، كلٌّ حسب وضعِه واستعداداتِه المسبَقةِ، سواء كانتْ مُنتِجَةً للطاقةِ والسِّلَعِ أو مُستورِدَةً لها، وسيكون هذا التأثيرُ مُنحصِرًا بفترةِ الحرب ونتائجِها، وسيكون العراقُ من أكثر الدول تَضرُّرًا، أثناء الحرب وما بعدَها، ولِأجَلٍ غيرِ قصيرٍ، لأنّ نظامَه السياسي مشلولٌ، واقتصادَه هزيلٌ، وسيادتَه مسلوبَةٌ، ومحكومَةٌ بما يَؤولُ إليه الوضعُ في إيران. 

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon