من برلين إلى أوروبا : الاستخبارات الإيرانية وحروب الظل
دعاء هزاع الجابري
في عالمنا المكتض بنفوذ سياسية مطلقة ، لم تعد فيه الحدود كافية لردع النفوذ الأمني والاستخباراتي ، بل باتت الدول الديمقراطية تواجه تحديات غير تقليدية تتسلل إلى عمق مجتمعاتها بهدوء ودون ضجيج ، فأوروبا التي لطالما قدمت نفسها بوصفها فضاء للحريات واللجوء السياسي ، تجد اليوم أن هذا الفضاء ذاته يتحول إلى ساحة صراع خفي بين أجهزة استخبارات دولية ، تسعى إلى تصفية خصوماتها خارج أراضيها ، وفي قلب هذا المشهد المعقد تقف " ألمانيا " أمام اختبار أمني وسياسي حساس ، يتمثل في تصاعد النشاط الاستخباراتي " الإيراني " داخل أراضيها ، بما يحمله من تهديد مباشر للأمن الداخلي ، ولمصداقية القيم التي تقوم عليها الدولة الألمانية والاتحاد الأوروبي ككل
فرغم انشغال ألمانيا في هذه المرحلة بتحديات داخلية وخارجية معقدة وبسعيها مع شركائها في الاتحاد الأوروبي إلى تحصين منظومتها السياسية والأمنية في ظل عالم مضطرب ، فإنها تجد نفسها في الوقت ذاته أمام تهديد صامت ومتنام مصدره النشاط الاستخباراتي الإيراني داخل أراضيها ، ليشكل لها تهديدا لا يقتصر على مراقبة التحركات الإقليمية لطهران فقط ، بل يمتد إلى العمق الألماني ذاته ، فألمانيا تحتضن شريحة واسعة من المعارضين الإيرانيين ، من صحفيين وناشطين سياسيين وحقوقيين ، إلى جانب مقيمين يعملون في قطاعات مدنية مختلفة ، فهؤلاء وجدوا في ألمانيا تاريخيا ، مساحة آمنة للتعبير عن آرائهم بعيدا عن قبضة النظام الإيراني ، غير أن هذه المساحة باتت مهددة بفعل شبكات استخباراتية تعمل في الخفاء ، وتتخذ من الداخل الألماني ساحة نشاط لها ، في ارتباط مباشر بالمؤسسات الأمنية الإيرانية
أن المشكلة هنا لا تكمن في الوجود الإيراني بحد ذاته ، بل في أولئك الذين يوالون النظام سرا ، ويتولون مهمة رصد وتتبع المعارضين وجمع المعلومات عن تحركاتهم وعلاقاتهم ، تمهيدا لاستهدافهم بوسائل متعددة ، وقد تجاوزت هذه الأنشطة وفق تقارير أمنية متكررة ، حدود المراقبة إلى محاولات اختطاف وتصفيات ، ما يشكل انتهاكا صارخا " للسيادة الألمانية " وضربا مباشرا لمفهوم " أرض اللجوء الآمن " الذي لطالما شكل جزءا من صورة ألمانيا الدولية ، حيث يضع هذا الواقع برلين في مأزق سياسي وأمني بالغ الحساسية ، فمن جهة أي تقاعس عن حماية المعارضين يفتح الباب أمام اتهامات بالتواطؤ أو العجز ، ويقوض مصداقيتها الحقوقية على المستوى الدولي ، ومن جهة أخرى فإن التحرك العلني الحاد ضد هذا النشاط الاستخباراتي ينطوي على مخاطر تصعيد غير محسوبة قد تدفع طهران إلى إرسال رسائل أمنية أو تنفيذ عمليات انتقامية على الأراضي الألمانية ، لذلك تسير ألمانيا اليوم على حبل مشدود من خلال مواجهة حذرة ، محسوبة ، دون " حرق الأوراق " ولكن مع إدراك متزايد بأن هذا الملف لم يعد قابلا للتجاهل أو التأجيل ، فالمسألة لم تعد شأنا استخباراتيا تقنياً فحسب ، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة الألمانية على حماية سيادتها ، وصون التزاماتها الإنسانية ، والحفاظ على توازن دقيق في سياستها الدولية
إن ما تواجهه برلين اليوم هو مواجهة استخباراتية إيرانية مباشرة ، لا بد من تقويضها بأدوات قانونية وأمنية واضحة ، وبما ينسجم مع أمنها القومي ومكانتها الدولية ، فالتسامح مع هذا النوع من الاختراق لا يهدد أمن الأفراد فقط ، بل يضرب في عمق الدولة نفسها ، وفي المحصلة لا يندرج التحدي الذي تواجهه ألمانيا في هذا الملف ضمن إطار ثنائي يخص برلين وطهران فحسب ، بل يعكس معضلة أوروبية أوسع تتعلق بكيفية التعامل مع تمدد النفوذ الاستخباراتي لدول خارج الاتحاد داخل الفضاء الأوروبي ، فما يحدث في ألمانيا يجد صداه في دول أخرى " كفرنسا وهولندا والسويد " حيث تتقاطع قضايا الأمن القومي مع حماية الحريات واللجوء السياسي ، ومن هنا فإن أي تراخ ألماني لا ينعكس على الداخل وحده ، بل يضعف الموقف الأوروبي الجماعي ويبعث برسائل خاطئة إلى قوى دولية ترى في أوروبا ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات ، وعليه تصبح مواجهة هذا الاختراق جزءا من معركة أوسع لحماية السيادة الأوروبية ، والحفاظ على النظام الدولي القائم على القانون في عالم تتزايد فيه حروب الظل ويتراجع فيه الخط الفاصل بين الأمن والاستخبارات والسياسة .