على أنقاض الهيمنة : بكين تعيد رسم العالم
دعاء هزاع الجابري
حين تتعب الإمبراطوريات تبدأ الظلال بالتحرك ، وفي لحظة عالمية تتداخل فيها الفوضى بالتحول تخرج " الصين " من بين الشقوق لا لتقلب الطاولة بل لتغير اتجاه الريح ، فبينما تنشغل الولايات المتحدة بإدارة أزماتها تمد بكين خيوطها بهدوء عبر القارات كمن يعرف أن النفوذ الحقيقي لا ينتزع بل ينسج
ففي زمن يتبدل فيه شكل العالم كما تتبدل الغيوم في سماء مضطربة ، تنهض الصين بهدوء محسوب وتسير بخطى واثقة على رقعة طالما اعتلتها الولايات المتحدة وحدها ، لا تعلن بكين قدومها بضجيج المدافع بل تترك أثرها كالماء الذي يتسرب إلى الفراغات ويصنع مجراه حيثما وجد الشق ، ومع ارتباك السياسة الأمريكية وتراجع قبضتها في أوروبا والشرق الأوسط وأطراف العالم ، وجدت الصين لنفسها خريطة جديدة ترسم بالحبر لا بالدم وبالاستثمار لا بالاحتلال ، حيث تمد نفوذها كخيط حرير يلتف حول القارات فتغدو العلاقات الدبلوماسية جسورا لا سلاسل ، وشراكات تتقن لغة المصالح دون أن ترفع راية الهيمنة الصارخة ، فهناك في آسيا حيث القلب الجغرافي للصين ، تعلو أمواج بحر الصين الجنوبي شاهدة على جزر ولدت من رحم الطموح ، جزر اصطناعية لكنها تحمل واقعية القوة ، ورغم اعتراضات واشنطن تواصل بكين تثبيت أقدامها هناك كمن يعرف أن البحر في النهاية لمن يصبر عليه ، وفي جنوب شرق آسيا لم تعد الصين مجرد قوة عظمى تراقب من بعيد بل اصبحت الشريك الأول والنبض التجاري الذي تسير عليه اقتصادات المنطقة ، أما أفريقيا تلك القارة التي طالما أنهكتها الوعود ، فقد استقبلت الصين كفاعل مختلف ممولا للبنى التحتية وبانيا للطرق والموانئ وشريكا تجاريا لا يتحدث كثيرا عن القيم بل يترك الإسفلت والسكك الحديدية تتكلم نيابة عنه ، فهناك لا يظهر النفوذ في الخطاب بل في الخرسانة التي تربط المدن بالأحلام ، وفي الشرق الأوسط حيث تتشابك النار بالنفط ، بات الحضور الصيني أكثر وضوحا ، فمن آبار الطاقة إلى أسلاك التكنولوجيا ومن الأسواق إلى ممرات المعلومات تمد الصين يدها بهدوء ، وحين جلست الرياض وطهران على طاولة واحدة بوساطة صينية بدا المشهد وكأنه إعلان صامت عن ولادة لاعب يعرف كيف ينصت قبل أن يتكلم ، وكيف يؤثر دون أن يفرض
ان الصين اليوم لا تنافس بالسلاح بل تملأ الفراغات التي تتركها القوة المتعبة ، ففي أمريكا اللاتينية تنمو تجارتها كما تنمو الجذور في تربة بعيدة ، فهي شريك أول " للبرازيل ، وتشيلي ، والبيرو ، " ومستثمر في الطاقة والمعادن ، وكأنها تعيد رسم الجنوب العالمي بخيوط المصالح المتبادلة ، وحتى أوروبا التي ظلت زمنا طويلا تحت مظلة الغرب ، لم تسلم من هذا المد الهادئ ، ففي موانئ اليونان وبناها التحتية تظهر بصمات الصين واضحة كأنها تهمس للعالم القديم بأن موازين القوة لم تعد حكرا على من كتب التاريخ أولا ، وحين انتقل الصراع من ميادين الحرب إلى ساحات الصناعة والتكنولوجيا وجدت الصين نفسها في مواجهة مباشرة مع أمريكا في " الذكاء الصناعي ، وشبكات الجيل الخامس ، والتجارة الإلكترونية " وبفضل انخفاض التكلفة واتساع الاعتماد العالمي باتت منتجاتها جزءا من الحياة اليومية لملايين البشر ، حتى في الدول التي تخشى نفوذها ، وبذلك لا تعلن الصين اليوم نفسها إمبراطورية ، لكنها تمارس فن الصعود الهادئ لتقول لأمريكا دون خطاب أو صدام : إن زمن الهيمنة المطلقة قد تصدع ، وإن العالم لم يعد يبحث عن سيد واحد بل عن شركاء ، فالتنافس اليوم ليس لمن يملك أكبر جيش ، بل لمن يفهم إيقاع التنمية ويجيد العزف على أوتار المستقبل .