سياسة الظلال: ايران واوروبا وقوانين اللعبة الكبرى
دعاء هزاع الجابري
في فضاء السياسة الدولية يبدو المشهد وكأنه مسرح ضخم ، حيث كل قناع على وجهه يحكي قصة وكل صرخة أو تهديد على المسرح ليست سوى همس من خلف الستار ، فمن " طهران إلى بروكسل " ومن واشنطن إلى أصغر العواصم ، تتحرك القوى كما لو كانت راقصة على خيوط خفية ، فلا شيء يرى إلا الظلال وما وراء الظلال أعقد وأعمق من أن يصفه العقل
فإيران والاتحاد الأوروبي اليوم يخوضان حربا " مزدوجة " ، حرب على السطح ترى بالبيانات والتصريحات والتهديدات وحرب خفية تدار من خلف الكواليس ، حيث كل طرف يحسب خطواته بعناية لتجنب أي صدام مباشر قد يكون كارثيا على عدة محاور دولية ، فهذا هو القانون الأساسي للعبة السياسية الدولية بأن أي خطوة متهورة قد تفتح أبواب صراعات لا نهاية لها ، لذا يفضل التهدئة الدائمة والمناورات الدقيقة ، لأن السياسة ليست شريفة أبدا ، إنها لعبة من المصالح المشتركة التي تتشابك بها الابتزازات العلنية مع التفاهمات السرية ، وكل تصريح لوزير أو مسؤول أوروبي أو إيراني لا يقرأ على ظاهره بل يحلل وفق ما يخدم الموقف الداخلي والموقف الإقليمي ، وأحيانا اخرى لتحصيل مكاسب اقتصادية أو سياسية بعيدة عن الأنظار ، فعلى سبيل المثال " التصعيد ضد إيران " على الصعيد الإعلامي قد يستغل لتحسين موقف أوروبا أمام حلفائها بينما في نفس الوقت تجرى مفاوضات سرية لإبرام تفاهمات اقتصادية وسياسية تضمن مصالح الطرفين بعيدا عن الضوء العام
أن القوة الحقيقية في السياسة الدولية ليست في التهديد أو الرد العسكري المباشر بل في إدارة التوازنات الدقيقة ، حيث كل دولة تعلم أن أي استخدام مباشر للقوة ضد دولة أخرى قد يجر تحالفات غير متوقعة ، لهذا السبب تهتم الدول بالحفاظ على قنوات تفاهم مستمرة حتى مع خصومها ، لضمان أن أي تصعيد يبقى في حدود اللعبة دون أن يتحول إلى حرب شاملة قد تطيح بالمكاسب جميعها ، فالسياسة الدولية تشبه " رقعة شطرنج " ضخمة حيث كل حركة معلنة لها خلفها 10 حركات مخفية ، فتتعلم الدول الصغرى من الكبرى وتحاول استغلال تصرفاتها لتحسين موقعها ، ومن هنا يظهر قانون آخر من قوانين اللعبة وهو : استغلال الظواهر العلنية لتحقيق مكاسب خفية ، فالعداء الظاهر بين إيران والاتحاد الأوروبي أو أمريكا ليس سوى وسيلة لتوظيف الانتباه العام ، بينما تدار الاستراتيجيات الحقيقية بصمت بعيدا عن أعين الرأي العام ، لأن هناك قانون آخر لا يقل أهمية وهو : القوة المرنة مع الحذر الدائم ، لذلك لا تجرؤ أي دولة على التحرك بشكل مطلق دون دراسة انعكاساته الإقليمية والدولية ، فكل خطوة هنا محسوبة على جدول عالمي وكل تحرك يدرس بعناية لضمان البقاء على الساحة والمشهد السياسي ، ومن هنا تحديدا تكمن عبقرية اللعبة وهي : في الحفاظ على القوة الظاهرة والمكاسب الخفية في الوقت نفسه مع جعل العالم يظن أن كل شيء على ما يرام
نعم هذه هي السياسة ، عالم من الظلال والأوهام ومن الستائر التي تحجب الحقيقة عن العيون ، ومن يظن أن الود أو العداء على السطح يعكس الحقيقة يغفل أن الرقعة الأكبر تتحرك وفق قواعد خفية لا يراها سوى من يدرك أبعاد اللعبة ، فلا أمان في السياسة ولا نصاعة في المصالح فكل انتصار علني قد يكون خيانة خفية وكل هزيمة واضحة قد تخفي مكاسب الى أبعد مدى ، إن فهم السياسة هو تعلم فن الحذر ومراقبة كل حركة والقراءة بين السطور ، لأن العالم السياسي يشبه مرآة مكسورة فما تخفيه شظاياها أعمق ألف مرة مما تراه على سطحها .