آكلو لحوم البشر
احمد حسين
عنوان صادم وبشع ومقزز، أليس كذلك؟. لكنه انعكاس لواقع معاش منذ سنين، بل هو صورة لحياة فصيلة محددة من البشر، فصيلة من يأكلون بني جنسهم من أجل الحفاظ على مكتسباتهم.
لا أشك أن أي إنسان سويّ لا يحتمل منظر رؤية كائن ما يفترس كائن آخر سواء كان الضحية حياً أو ميتاً، ويزداد القرف والبشاعة إن كان الافتراس للضحية شيئاً فشيئاً حتى الموت، ولذلك أنا أكره الضباع وما يُطلق عليه علمياً بفصيلة "الكلبيات" لأنها تهاجم الفريسة وتبدأ فوراً بالتهامها قبل قتلها، على العكس من فصيلة "القططيات" التي عندما تصطاد الفريسة تقتلها خنقاً ومن ثم تبدأ بتناولها.
لكن حتى هذا الإنسان السويّ ومن باب البحث العلمي أو الاطلاع، من الممكن أن يشاهد منظراً لعملية افتراس "حيوانية" إن كانت ضمن تقرير تلفزيوني، لأن الأمر من الناحية النفسية يتعلق بكائنات هي بطبيعتها مفترسة، أي بمعنى أن هناك استعداداً نفسياً مسبقاً لتقبل المشهد رغم وحشيته، من باب أن حياة الحيوان المفترس قائمة على اصطياد الفريسة، لذلك المشاعر الرقيقة والشفافة تنزوي في زاوية المنطق والعقلانية وضرورة البقاء، وبالتالي يكون الدماغ مستعد مسبقاً للتبرير والتقبل من منطلق أن حق البقاء حق كوني مكفول لكل كائن حي.
لكن المشكلة والعقدة الكبرى هي عندما لا يكون حق الافتراس هذا منسجماً أساساً مع الحق الكوني ولا القانون الكوني ولا الطبيعي ولا العقلاني ولا المنطقي، أي بمعنى أنني من الممكن أن أشاهد عملية افتراس "كلبية" من باب الاطلاع والمعرفة -وقلت مسبقاً أنني أكره الفصيلة الكلبية من الحيوانات بسبب طريقة افتراسها لفريستها-، لكنني من المحال أن أشاهد إنساناً وهو يأكل إنساناً آخر، هذا أمر لا يصيبني بالغثيان فقط بل يسبب لي صدمة نفسية.
ورغم أنني من مدمني مشاهدة تقارير الحياة البرية ورغم عشقي لفصيلة "القططيات" لكن ما زلت لغاية الآن عندما أشاهد عملية صيد تنفذها الأسود أو الفهود أو النمور أتابعها بأدق التفاصيل وعندما ينقض المفترس على الفريسة انتظر حتى تلفظ الفريسة أنفاسها الأخيرة ثم أنقل تركيزي من عملية الالتهام إلى تصرفات المفترس لكي لا أرى حالة الالتهام.
أعرف أنني أسهبت في السرد عن مشاعر شخصية والقارئ غير معني بصرف دقائق من وقته للتعاطف مع مشاعري أو التعرف على طبيعتي، لكن الأمر لا يتعلق بيّ أنا، بل هو مرتبط بمن يستلذ بآكلي لحوم أبناء جلدتهم وبلدهم ودينهم ومذهبهم وقوميتهم وعرقهم ومنطقتهم، هؤلاء هم المقصودون بكلامي.
هؤلاء الذين يستمتعون بجلد ظهورهم بأنفسهم من أجل التشفي بأبناء جلدتهم هم من أراهم أدنى مترتبة من فصيلة "الكلبيات"، هم لم يعتادوا فقط على مشاهدة وإدمان عمليات الافتراس بل يستلذون بها لأن الشعور بـ"النقص" والإحساس بـ"الدونية" متغلغل فيهم إلى درجة أن أصبح من مكونات دمائهم، فكما في دم الإنسان كريات دم حمراء وبيضاء، هؤلاء تتكون دمائهم من كريات دم حمراء وبيضاء و"دونية".
لكن السؤال الأهم كيف أصبح هؤلاء كذلك؟، أنهم بالأساس كان لديهم الاستعداد المسبق للاستسلام لـ"الدونية" فلذلك لم يجدوا في عمليات الاصطياد "القططية" ما يُشبع نهمهم للوحشية وجلد الذات، لذا توجهوا إلى عمليات الافتراس "الكلبية" فتلذذوا بها حتى أدمنوها، غير أنها لم تُشبع جوعهم الذي يتغذى على الاستمتاع بـ"الدونية" لذلك ذهبوا إلى ما هو أبعد بكثير، وحينها وجدوا ضالتهم وهي إظهار فقط الحالات السلبية والتغاضي عمداً عن أي إيجابية لمجتمعهم، لكنها لم تشفي غليلهم أيضاً وراحوا يختلقون سيناريوهات من نسج خيالهم المريض، ولم يقفوا عند هذا الحد، بل استفحلت حالة "الانبطاح الدوني" لديهم إلى درجة أنهم "يستجدون" من الخصوم والأعداء أي فكرة ومقترح يجرد أبناء جلدتهم من أي سلاح مهما كان شكله ونوعه واسمه وهدفه لأنهم يريدون تعريتهم من كل ما يحميهم لكي يتلذذوا برؤية الكلاب وهي تفترسهم.
وهل وقف الأمر عند هذا الحد؟، كلا، ففصيلة "الكلبيات البشرية" هذه تريد المزيد لذلك انتقلوا إلى مرحلة أكثر بشاعة وهي افتراس أبناء جلدتهم.
أصنام كثيرة في المنطقة الخضراء هي بشخوصها أو من ينوب عنها تنتصب شامخة بمن يطوف حولها كما كانت العرب تطوف حول أصنامها، وما المنطقة الخضراء سوى مكة في عصر الجاهلية التي كانت تحتوي على 360 صنماً لكل قبيلة عربية، وها هي المنطقة الخضراء اليوم تضم أكثر من 360 صنماً للعبادة، لكن المشكلة في القرابين، عرب الجاهلية كانت تنحر الإبل والأغنام لأصنامها أما عرب جاهلية اليوم فهي تنحر أبناء جلدتها لأصنامها ولا تكتفي بالنحر فقط بل تتناول لحوم أضاحيها.