الدينار العراقي المغلوب على أمره

الدينار العراقي المغلوب على أمره

احمد حسين

2026-10-07T12:41:17+00:00

لعبة جديدة تلعبها حكومة الزيدي كما لعبتها قبلها حكومتيّ الكاظمي ومن بعده السوداني، وهي "إهانة" قيمة الدينار العراقي أمام رب الأرباب النقدية، الدولار الأميركي، وكالعادة الضحية هو المواطن العراقي فرئيس الوزراء ومن يدور في فلكه، والوزراء ومن يدورون في أفلاكهم، ورئيس الجمهورية ومن يدور في فلكه، والنواب ومن يدورون في أفلاكهم، والكتل النيابية والأحزاب السياسية ومن يدورون في أفلاكها، ومجلس القضاء الأعلى ومن يدورون في فلكه، كل هؤلاء وأفلاكهم بمنأى عن كل ما يجري في العراق ولا يعنيهم في شيء لو احترق البلد بمن فيه.

بقرار مفاجئ ارتجالي غير مدروس، ككل القرارات الحكومية السابقة واللاحقة، استقبل العراقيون صباح هذا اليوم المشؤوم الأربعاء بقرار من البنك المركزي العراقي يخفض به قيمة الدينار العراقي أمام الدولار الأميركي بمعدل 18 ديناراً، فبعد أن كان سعر الصرف الرسمي 1320 ديناراً مقابل الدولار الواحد أصبح اليوم 1500 دينار مقابل الدولار الواحد، وهو الآخر قرار ارتجالي غير مدروس اتخذته حكومة السوداني، ومن قبله حكومة الكاظمي كذلك فعلت نفس الشيء، والحجة الواهية للحكومات الثلاث: تأمين الرواتب.

هذه الحجة بحد ذاتها إدانة للحكومة، فالكاظمي والسوداني والزيدي كلهم يقولون: ليس لدى الدولة سيولة نقدية لتغطية الرواتب. إذا ماذا يفعل هذا الثلاثي؟ يذهب إلى جيوب المواطنين ليستنزفها بخفض قيمة الدينار أمام الدولار والذي يعني بالنتيجة الحتمية ارتفاع أسعار كل شيء يحتاج المواطن ضمن متطلباته المعيشية اليومية من طعام وشراب وتنقل وعلاج وغير ذلك من مفردات حياتنا اليومية.

تخيلوا معي، الحكومة تسحق المواطن وتسلبه مدخراته لكي تأمن له راتبه، أهناك مهزلة أشد فجاجة وظلماً من هذا الواقع المأساوي؟!.

الحكومات الثلاث جميعها رفعت شعار محاربة الفساد المالي -الاثنتان السابقتان (الكاظمي والسوداني) كانتا الأكثر فساداً بشهادة أعضاء وأحزاب هاتان الحكومتان نفسهما، وننتظر ما ستكشفه الأيام عن حكومة الزيدي-، طيب، شعار جميل ورائع، والجميع يصفق له، لكن أليس خواء الخزينة وشح السيولة النقدية بسبب الفساد، فلماذا لا تذهبون إلى الفاسدين وتستردون منهم النقود المسروقة وتأمنوا بها الرواتب؟!.

لماذا يجب أن يتحمل المواطن نتائج سكوتكم عن حيتان الفساد وخوفكم منهم بل ارتجافكم أمامهم وتظهرون عضلات مفتولة على المواطن البسيط المغلوب على أمره حاله كحال الدينار العراقي؟!.

لماذا تتلذذون بـ"إهانة" قيمة الدينار العراقي وجلد المواطن بسياط الأسعار بينما تريليونات الدنانير في كروش رفاقكم وشركائكم؟!.

لماذا تصمتون صمت القبور أمام رؤوس الفساد الكبيرة حين تزجركم إذا فكرتم المساس بأرصدتها ومشاريعها، بينما تمزقون آذان المواطنين بصراخكم الاستعراضي المغلف بغلاف بائس اسمه تأمين الرواتب؟!.

لماذا تحاولون استغفال المواطن بخبر مضحك يكشف عن مدى تخبطكم وارتباك تفكيركم في كيفية تبرير قرار خفض قيمة الدينار وتحملون المسؤولية لأحد "المضاربين بالعملة الأجنبية وتفكيك شبكة للحوالات المالية غير القانونية"، وتخرج علينا وكالة الاستخبارات بانتصار مبهر تزف فيه البشرى للعراقيين بالقبض على هذا المضارب الذي بسببه ربما كنّا سنموت جوعاً ونسير في الشوارع عرايا وكأنه المتحكم بإيرادات النفط؟!.

لماذا يسارع برلمانكم "الظلّي" ليعقد جلسة طارئة يناقش فيها خفض قيمة الدينار العراقي أمام الدولار الأميركي، البرلمان الذي يجعل من معاناة البسطاء ونكباتهم منصة لإصدار البيانات المتعاطفة مع المواطن لا يختلف عن مسرح الدمى التي يحركها من الأعلى أشخاص بأيديهم الخيوط، في حين أن هذا البرلمان ووفقاً لصلاحياتهم الدستورية يجب أن يصدر قراراً فورياً وملزماً يُجبر البنك المركزي على إعادة سعر الصرف إلى سابق عهده، وبرلمانكم هذا والذي هو بالأساس خليطاً من الكتل والأحزاب التي تدير الحكومة كان عليه أن يمنع الزيدي وحكومته من إصدار هكذا قرار من خلال نفس الأشخاص الذين بأيديهم الخيوط.

سيسري قرار "إهانة" الدينار العراقي أمام الدولار الأميركي وسيعتاد المواطن العراقي هذا الوضع كما تم تطبيعه على قرارات مجحفة وأوضاع مأساوية سابقة، فكما قلت المواطن حاله كحال عملته مغلوب على أمره وليس بإمكانه فعل شيء، فالموظف والكادح والعاطل عن العمل لا يهمه مما يجري سوى تأمين قوت عائلته أو نفسه، فاليأس أصبح مكون من مكونات دمنا ولا سبيل للخلاص منه إلا بعملية استبدال دم.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon