الهوية المجزأة "حقداً"

الهوية المجزأة "حقداً"

احمد حسين

2026-10-17T20:52:21+00:00

ما إن دوى صوت الانفجار الذي شهدته العاصمة بغداد مساء السبت حتى بدأت ماكينة الحقد والضغينة تشتغل وتنشط غرف إعداد السيناريوهات المسبقة قبل حتى أن يتم تحديد موقع الانفجار وطبيعته وخسائره.

وبمجرد أن تم تحديد أن موقع الانفجار شرقي قناة الجيش أخذت السيناريوهات تكتمل، فهذه القناة تمر بمناطق شيعية، وبما أنه شرقها فالأذهان المريضة ذهبت فوراً عن مدينة الصدر أو الشعب أو غيرها، المهم يجب أن يكون في منطقة شيعية.

ومن ثم جاءت اللحظة الحاسمة المنتظرة بلهفة وشوق ومحبة، نعم محبة، حيث أعلنت هيئة الحشد الشعبي أن الانفجار وقع في أحد مقارها، وهنا اكتملت الحبكة وتم بث السيناريوهات وتولت قنوات الحقد البعثي الطائفي مهمة الإخراج.

لم تنفع بيانات هيئة الحشد الشعبي ووزارة الداخلية وغيرها في تأكيد أن الانفجار ناتج عن خلل فني، كلا، هذه الإجابة لا تلبي رغبة الحقد والكراهية والطائفية، يجب أن نجعل من هذا الحادث العرضي مسرحاً للتنكيل والتشفي والفرح والسرور.

أما حين أعلنت هيئة الحشد الشعبي إصابة خمسة من منتسبيها، تحولت الحادثة إلى عرس أضغان وبدأت الأرقام تتطاير والأعضاء البشرية تتناثر والإحصائيات تتضارب، هناك مجزرة يجب أن يشرب نخبها البعثيون والطائفيون.

وانطلقت أوتار معزوفة الحقد، ووفقاً لنغماتها والسيناريوهات المسبقة فإن الانفجار ليس عرضياً ولا خللاً فنياً بل هو قصف جوي من طائرات: أميركية، إسرائيلية، سعودية، المهم أن يكون من أهان سيادة البلد من الخارج، الأحلى أن يكون من قتل وأعاق وأصاب الضحايا العراقيين غير عراقي، تلذذ باختراق وعدم احترام سيادة البلد، نعم تلذذ بالذل والهوان والانسلاخ من الهوية والوطنية في اللاوعي وفي الوعي أيضاً، فحين يكون التنكيل بالشيعة فـ"طز" بالوطنية وهم بلا حياء يعلنون الانسلاخ لمجرد التشفي.

وطبعاً لابد من أن يكون لـ"أدعياء" العقلانية والمنطقية والوطنية حضوراً واضحاً، فهؤلاء لا يشتفون "ظاهراً" بل يتباكون وينوحون على العوائل التي روعها الانفجار، على زجاج بعض المنازل الذي تحطم، على أطفال "انخرعوا خطية" من صوت الانفجار.

والعباس أبو فاضل نفس هذا الانفجار وأشد منه وبالمئات حصلت في أيام تنظيم "داعش" ولم نسمع لكم هذا الضجيج ولم نرَ لكم هذا العجيج على التنظيمات الإرهابية والبعثية بل كان صوتكم على "الحاكمية الشيعية" لا غير، وإداناتكم للإرهاب كانت أمر لابد منه لتجميل وجوهكم المشوهة وانسلاخكم المخزي من الوطنية والهوية.

ألستم تقولون إن عناصر الحشد الشعبي انخرطوا في هذه "الميليشيات" لا حباً بالوطن ولا حرصاً على الدين ولا التزاماً بالمذهب بل لمجرد الراتب الشهري والخلاص من البطالة؟، طيب لماذا تجلدونهم الآن وسابقاً؟، هم ليسوا سوى شباب يبحثون عن فرصة عمل وليس لديهم تعبئة عقائدية -بحسب ادعائكم- حالهم كحال غيرهم من الشباب الذين حصلوا على فرص وظيفية، فلماذا أصبحوا الآن "حراس العقيدة" ولا يجب التعاطف معهم ولابد من التشفي بهم؟!.

وإن كانوا أصحاب عقيدة وانخرطوا في "الميليشيات" إيماناً واعتقاداً فالسؤال هنا، هل عقيدتهم أرسلت لكم السيارات المفخخة، حشود الانتحاريين، هل شنوا عليكم "غزوات"، هل قطعوا رؤوسكم، هل اغتصبوا أعراضكم، هل فرضوا عليكم "الجزية" وإطلاق اللحى وتقصير الثياب وترك التدخين وجلدوكم على شرب الخمر ورجموكم على الزنا؟!.

الوطنية لا تنقسم على نفسها ولا تنظر للوطن والمواطنين بعين عوراء بعكس ما ترى غيرهم، لا تمد يداً للأعداء الصريحين وتمسك باليد الأخرى السلاح على أهلها، لا تطلق لسان التملق خارج الحدود وتشحذه كالسيف داخل أسوار الوطن، لا تستقبل الإهانات الخارجية برحابة صدر وتنفث سمومها على أبناء جلدتها، لا تجلس في أحضان من يدمرها ويذبح أبنائها وتعلن الحرب على نفسها.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon