أسر الوظيفة العامة: معضلة العقود والخريجين في ميزان الدولة وغياب القطاع الخاص

أسر الوظيفة العامة: معضلة العقود والخريجين في ميزان الدولة وغياب القطاع الخاص

صادق الازرقي

2026-07-24T10:15:12+00:00

لم يُحل ملف العاملين بالعقود والأجور اليومية في المؤسسات الحكومية العراقية بشكل جذري، وتتوزع أوضاعهم بين إدراج مقترحات في الموازنات ورفض التثبيت،  فيما يقول مجلس الخدمة العامة الاتحادي العراقي، أن الامر يخضع لتوفر الدرجات والتعليمات المالية، ولكن لا يجري متابعة المشكلة أو التخفيف منها، فتستمر تظاهرات الخريجين المطالبة بالتعيين  وأصحاب العقود للمطالبة بالتثبيت، يحدث هذا في ظل غياب واضح للقطاع الخاص وبظل المبالغ الهائلة التي يعثر عليها لدى مسؤولين فاسدين كان يفترض أن تسهم في معالجة جزء كبير من المشكلة، فكيف ستحل المعضلة في ضوء قول الحكومة انها تركز على التعامل مع غياب موازنة عام 2026 عبر مشروعات بديلة، وبظل الضبابية المتعلقة بموازنة عام 2027 وتحت واقع زيادة أعداد الخريجين في كل عام وتراكمها؟

إن أزمة العقود والأجور اليومية وتكدس الخريجين في العراق تمثل عقبة معقدة، وتزداد تعقيدا في ظل غياب الموازنات وتراجع دور القطاع الخاص.

ان الحلول الممكنة برأينا وبحسب الخبراء لمعالجة المعضلة في ظل التحديات المالية والسياسية وبحسب التجربة المستخلصة من اوضاعنا، تتمثل في تبني حزمة معالجات متكاملة تدمج بين الإصلاح المالي المؤقت والتحول الاقتصادي بعيد المدى، وذلك بإعادة توجيه الأموال المستردة وقروض الفساد، وإنشاء صندوق سيادي وطني طارئ يمول بشكل مباشر من الأموال والأصول المستردة من قضايا الفساد الكبرى التي تتزايد يوما بعد يوم اثر الحملات ضد الفاسدين، وما خفي اكبر من ذلك بكثير.

  وتكمن المعالجة بتخصيص جزء ثابت من هذه الأموال لتمويل حزم تحفيزية واستثمارية لإنشاء شركات مساهمة عامة، تستوعب الخريجين، بدلا من الاعتماد على الصرف الاستهلاكي من الموازنة التشغيلية، والتحول التدريجي من التثبيت الحكومي إلى التعاقد الخدمي. ونظرا لاستحالة استمرار الدولة في تحمل التضخم الوظيفي اذ تشكل الرواتب الجزء الأعظم من الموازنة، يمكن تحويل عقود الأجور اليومية إلى مشاريع إنتاجية أو خدمية مشتركة بين القطاعين العام والخاص ومنح أصحاب العقود أفضليات استثمارية أو قروض ميسرة جدا من دون فوائد لإطلاق مشاريع صغيرة ومتوسطة مدعومة من الدولة لضمان توفير دخل دائم للمتعاقدين وعائلاتهم.

كما يجب تفعيل مفاصل القطاع الخاص عبر الشراكة الإلزامية، بفرض شروط صارمة على الشركات الأجنبية والمحلية العاملة في العراق لاسيما في قطاعات النفط، والاتصالات، والإعمار تشترط نسبة لا تقل عن 70% إلى 80% من العمالة المحلية؛ وتقديم حزم إعفاءات ضريبية للكهرباء وفي البنى التحتية للشركات التي تستوعب أعدادا كبيرة من الخريجين المسجلين وأصحاب العقود المؤقتة.

ويتوجب أيضا إيجاد بدائل تمويلية خارج الموازنة التقليدية بالاعتماد على الصناديق التنموية الإقليمية والدولية مثل الصندوق العراقي للتنمية، لتمويل مشاريع البنية التحتية الكبرى التي تعتمد على العمالة الكثيفة، ما يمتص جزءا كبيرا من البطالة المقنعة والخريجين الجدد.

مع الأسف تركز نقاشات الشارع العراقي حاليا على الضغط لتثبيت العقود حكوميا في ظل غياب أي مشاريع استثمارية حكومية أو لدى القطاع الخاص ممكن أن تحتوي الشباب المطالبين بالرواتب. إن حصر النقاش العام والمطالب في خانة التثبيت الحكومي فقط، برغم عدالة وحرص أصحاب الحقوق على تأمين معيشتهم، يخلق حلقة مفرغة؛ فالدولة عاجزة هيكليا عن استيعاب أعداد إضافية في ظل تضخم الجهاز الإداري وارتفاع النفقات التشغيلية، وفي الوقت نفسه يغيب القطاع الخاص القادر على توفير البديل الحقيقي.

لكسر هذه الحلقة، لا بد من الانتقال بالنقاش من مطالبات التثبيت الاستهلاكي إلى الضغط باتجاه مسارات عملية واضحة، بإعادة هندسة المشاريع الحكومية نحو التشغيل الكثيف، وبما ان الحكومة تقول انها تتجه نحو "مشروعات بديلة" لغياب الموازنة التقليدية، يجب إلزام الجهات المنفذة بتوجيه هذه المشاريع مثل البنى التحتية، والطرق، والخدمات البلدية، نحو تشغيل العمالة المحلية المؤقتة عبر عقود مشاريع محددة المدة وبأجور مجزية، تحل محل التثبيت الدائم ولكن بضمانات معيشية مشابهة.

كما يتوجب تحويل الحراك المطلبي إلى ضغط تشريعي لتفعيل قانون العمل بالتركيز على إجبار الدولة على تفعيل قانون التقاعد والضمان الاجتماعي للعمال، وتوسيع مظلته ليشمل العاملين والموظفين في القطاع غير الرسمي أو العقود، ما يشجع العاطلين وحتى الخريجين على إيجاد فرص عملهم في القطاع الخاص، فعندما يضمن العامل او الموظف في القطاع الخاص تقاعدا وضمانا صحيا يقارب القطاع الحكومي، سيتراجع تدريجيا الهوس المجتمعي بالوظيفة العامة.

ومن الضروري إنشاء صناديق دعم ذاتي للمناطق والمحافظات، بالاستفادة من الواردات المحلية للمنافذ الحدودية أو عوائد البصرة / المحافظات المنتجة مثلا، والدوائر الخدمية مثل الرسوم والغرامات لتمويل صناديق محلية تدعم ريادة الأعمال وتشغيل الشباب في مشاريع صيانة وتطوير المدن، بدلا من انتظار التخصيصات المركزية للموازنة العامة.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon