ثروة بلا أثر: كيف يلتهم الفساد ميزانيات الخدمات في العراق؟
صادق الازرقي
طالت الاعتقالات في العراق مسؤولين في وزارة النفط ومشتقاته بصورة رئيسة، ومن ذلك اعتقال مدير توزيع المنتجات النفطية في النجف بتهم فساد مالي، وقبل ذلك اعتقل وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية، فضلا عن مدير عام شركة توزيع المنتجات النفطية...كما جرى اعتقال مسؤولين آخرين ونواب تقاسموا اموال النفط مع هؤلاء.
ولطالما كان يجري التنافس إلى حد التقاتل بين القوى السياسية للحصول على وزارة النفط في التشكيلات الوزارية، فهل أن اموال النفط تذهب مباشرة إلى أيدي هؤلاء الأفراد، وهل هي ملك شخصي لهم ام يفترض أن تذهب إلى خزينة الدولة بصفتها اموال الناس...؟
وفقا للدستور والقوانين العراقية، أموال النفط ليست ملكا لأي مسؤول أو جهة سياسية، بل هي مال عام مملوك للشعب العراقي، وتجري آلية إدارتها بتحويل إيرادات تصدير النفط الخام العراقي بالدولار إلى حسابات مخصصة أشهرها حساب يعرف بـ IRAQ2، وهو الحساب الرسمي الذي تودع فيه إيرادات مبيعات النفط العراقي لدى البنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك في الولايات المتحدة، ثم تنقل إلى حسابات البنك المركزي العراقي؛ ولا يمكن صرف هذه الأموال إلا عن طريق قانون الموازنة العامة الاتحادية الذي يقره مجلس النواب. هذا القانون يحدد سقف النفقات التشغيلية مثل الرواتب، والمخصصات والنفقات الاستثمارية بصيغة المشاريع.
وتعد هذه الأموال أموالا سيادية، وتخضع لرقابة هيئات رسمية مثل ديوان الرقابة المالية. وبحسب الخبراء فان اعتقالات مدراء ووكلاء وزارات لا يعني أن الأموال كانت تذهب مباشرة إلى جيوبهم كراتب شخصي، بل يجري الاستيلاء عليها بوساطة آليات غير قانونية تعرف بالفساد المؤسسي، ومن أبرز صورها، العمولات والرشى باستغلال سلطة المنصب لفرض عمولات على العقود الحكومية، أو التلاعب في مناقصات تصفية النفط، أو استيراد المنتجات النفطية، أو حتى بيع المناصب والدرجات الوظيفية.
وهذا الأمر يغذي المحاصصة السياسية، إذ يظهر بقوة التناحر بين القوى السياسية على وزارة النفط أو المناصب الإدارية العليا في القطاع النفطي الذي ينبع من الرغبة في السيطرة على مفاصل اتخاذ القرار في داخل الوزارة، لتأمين تدفقات مالية غير مشروعة لتمويل الأحزاب أو الأفراد عبر العقود المشبوهة. والفساد ينجح عندما يجري الالتفاف على الضوابط الرقابية مثل شروط السلامة أو عقود الاستثمار، مما يسمح للأطراف الفاسدة باختلاس حصص كبيرة من الإيرادات قبل أن تصل إلى الخزينة العامة، أو عبر تضخيم كلف المشاريع بخلاف تكاليفها الحقيقية.
أموال النفط قانونا ملك للشعب وتديرها الدولة لصالح الموازنة، ولكن الخلل يكمن في تطبيق القانون والرقابة عليه؛ وان الاعتقالات هي محاولات لضبط هذا الخلل، لكن التحدي الجوهري يظل في كسر حلقة المحاصصة التي تمنح الفاسدين نفوذا يحميهم، وفي تعزيز الشفافية الرقمية والرقابة الصارمة لمنع تحويل المال العام إلى مكاسب شخصية أو حزبية عبر ثغرات العقود والإدارة.
إن الربط بين غياب ما يسمى الحوكمة الرقمية وتدهور الخدمات العامة هو التشخيص الأدق للواقع، فغياب الشفافية الرقمية هو ما يتيح للفاسدين ممارسة الاستيلاء بعيدا عن الرقابة، في حين يعاني السكان من نقص الخدمات الأساسية كالكهرباء والماء وتوقف قطاعات الصحة والتعليم وخدمات المدن، وغيرها.
أن التحول الرقمي، والمعاملات المالية الإلكترونية، وأتمتة سجلات الموظفين والإنفاق ليست مجرد وسائل تقنية، بل هي أدوات سيادية لقطع الطريق على الفساد. وتسهم هذه الأدوات في الحد من تلك الشهية للاستيلاء على المال العام، بتقليص الاحتكاك البشري وتسلم الأموال نقدا بالسيولة الفورية "الكاش".
وعند أتمتة نظام المناقصات بالكامل، تصبح عملية اختيار الشركات ومتابعة تنفيذ العقود رقمية ومفتوحة للمراجعة، مما يلغي دور الوسيط أو المسؤول الذي كان يفرض عمولات مقابل ترسية العقود أو التغاضي عن مخالفات التنفيذ. وباستعمال محفظة الدولة الإلكترونية يجري تتبع التدفقات المالية من المبيعات النفطية وصولا إلى صرفها في الموازنة عبر أنظمة مالية لا مركزية تمنع التلاعب بالسيولة النقدية أو اختلاسها فيما يسمى الدوائر الرمادية في داخل الوزارات.
كما يجري الفساد عبر التلاعب بقواعد بيانات الرواتب والأجور، ولمنع ذلك فان الرقمنة تتيح الربط مع السجلات المدنية (البصمة الحيوية)، مما يعني أن أي راتب وهمي أو فضائي يجري كشفه فوريا، لأن النظام الرقمي لا يمنح مخصصات لمن لا تواجد له أو لا يزاول عمله فعليا.
ان تحويل ملفات الميزانية إلى منصات مفتوحة يمكن للسكان والباحثين الاطلاع عليها، يجعل عملية الاستيلاء على الأموال المخصصة للمستشفيات أو المدارس وغيرها أمرا مكشوفا أمام الرأي العام قبل أن تكتمل، وعندما تتوفر الأدلة الرقمية ومن ذلك سجلات الدفع، وتواريخ العقود، والتوقيعات الإلكترونية، تصبح مهام الأجهزة الرقابية والقضائية أسهل بكثير في تتبع أثر الأموال، مما يحول دون ضياعها في دهاليز المحاكم أو الصفقات السياسية الجانبية.
وبالحديث عن تدهور الخدمات في العراق ومنها شحة الكهرباء والماء وخدمات المناطق وغيرها وعلاقة ذلك بسوء الإدارة، فإن الانتقال إلى إدارة الشبكات الذكية، وتوزيع حصص الوقود للمحطات عبر أنظمة تتبع رقمي هو الموضوع الأكثر حيوية ومخالفته تجمع بين الفساد الإداري وبين المعاناة اليومية للناس في بغداد ومدن العراق الأخرى.