تركيا تَتموضعُ وتَتهيَّأُ للحرب
د. شوان زنكَنة
العقيدة الأمنية الاستراتيجية التركية الحديثة
تركيا تَتموضعُ وتَتهيَّأُ للحرب.. تعديلاتٌ في هيكل مجلس الأمن القومي التركي
أصدرَ الرئيسُ أردوغان مرسومًا رئاسيًّا بتأريخ 19/3/2026 تمَّ بموجبه تعديلُ هيكل مجلس الأمن القومي، وقد أفضى هذا التعديلُ إلى توسيع نطاق مهامّه وصلاحياته، وقد جاء هذا القرارُ في ظلِّ الظروف الراهنة والحسّاسة وتأثيراتِها على مستقبل الأمن القومي التركي.
فقد أُعيدَ تعريفُ مفهومَي "الأمن القومي" و"سياسة الأمن القومي"، إذ أُدرِجَ ضمن نطاق مفهوميهما كلٌّ من المفاهيم التالية: "النظام الدستوري للدولة، ووجودها الوطني، ومصالحها الدولية، وعيش المواطنين في أمن ورفاه"، وستكون هذه المفاهيمُ جزءً لا يَتجزّءُ من الأمن القومي لتركيا في المراحل القادمة. كما وتمَّ استبدالُ عبارة "التهديد" بعبارة "الأمن القومي"، لِيَشملَ مفهومُ الأمنِ كلَّ أنواعِ التهديدِ، الآنيِّ والمستقبليِّ، والمصالحِ الوطنيةِ التي تُحقِّقُ الأمنَ وتزيلُ التهديدَ، وبذلك يكون هذا التعديلُ قد عمَّقَ مفهومَي الأمنِ القومي وسياسةِ الأمن القومي، لِيتجاوزَ مفهومَ التهديدِ الواقعِ إلى مفهومِ الإعدادِ الوطنيِّ لمجابهة كافّة الأحداث الأمنية، الآنيّةِ أو التي من المُحتمَلِ أنْ تحصلَ مستقبلًا، أو التي تُحقِّقُ المصالحَ الوطنية.
وبموجب هذا المرسوم، تمَّ إنشاءُ ثلاثِ رئاساتٍ ضمن هيكلِ مجلس الأمن القومي، وكالآتي:
1- رئاسةُ دائرة أبحاث وتقييمات الأمن الداخلي: وأُسنِدَ إليها مَهامُّ إعدادِ التحليلات الاستراتيجية في مجالات الإرهاب، والجريمة المُنظَّمَة، والتطرّف، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، والفضاء، والتغيّر المناخي، والهجرة، والصحة، والطاقة.
2- رئاسةُ دائرة أبحاث وتقييمات الأمن الخارجي: وأُسنِدَ إليها مَهامُّ متابعةِ التطورات العالمية والإقليمية، والتعاون مع المنظمات الدولية، وإعداد التحليلات التي تتعلّق بالمصالح الخارجية الأمنية لتركيا.
3- رئاسةُ دائرة تنسيق التخطيط الدفاعي: وهي دائرة أُنشِئَتْ حديثًا، وقد أُنيطَ بها تنفيذُ أعمال الاستعداد للتعبئةِ العامّة وحالةِ الحرب، وذلك بالتنسيق مع الوزارات والمؤسسات والولايات.
بهذا التعديلِ، أخذَ مجلسُ الأمن القومي التركي شكلَه القانونيَّ لإدارةِ الأمن القومي وسياسيتِه في حالتِه الطبيعيةِ وليست الاستثنائية، وإدارةِ الحياة اليومية للمواطنين.
وسيقومُ المجلسُ، ومن خلال رئاساته الثلاث، من تأريخ صدور المرسوم الرئاسي، سواء كان هناك تهديدٌ أو لم يكنْ، بأداءِ مهامّه لتحقيق الأمن القومي، داخليًّا وخارجيًّا، وربطِ كافّة المؤسسات الحكومية والوزارات والمحافظات بشبكة تنسيقٍ واحدةٍ، والاستعدادِ للتعبئة الشعبية العامّة وحالةِ الحرب، وذلك لتهيئة الدولة، على أكمل وأكفأ وجهٍ، لمجابهة الأحداث الأمنية، الحالية، والمستقبلية، وتحقيقِ العيشِ الآمن والمُرفَّهِ للمواطنين.
ويبدو أنّ الرئيسَ أردوغان ابتغى من هذا التعديل الرئاسي لهيكلة مجلس الأمن القومي إعدادَ تركيا وتعبئتَها، شعبيًّا، وبكافّة الوسائل، وعلى أكفأ وجهٍ، لمجابهة التهديدات الأمنية، الداخلية والخارجية، التي تُعاني منها تركيا في الوقت الحاضر، من جهةٍ، ولأخذِ دورِها الإقليميِّ في المنطقة، ضمن التغييرات الجذرية التي ستحصلُ في المدى المنظور، بأقصى قدرٍ مُمكِنٍ من تحقيقِ المصالح الوطنية، من جهةٍ أخرى.
لقد صمّمَ الرئيسُ أردوغان هيكلةَ مجلس الأمن القومي، بهذا التعديل، لتحقيقِ الأهداف الآتية:
1- التعاملُ الثنائي المَرنِ مع القضية الكردية، داخليا، فمن جهةٍ بدأتْ محادثاتُ سلامٍ، يُحَبِّذُ أردوغانُ تسميتَها بعملية "تركيا بلا إرهاب"، بهدف نزعِ سلاح حزب العمال الكردستاني، وإنهاءِ النزاع المسلح، ومن جهةٍ أخرى تَستمِرُّ القواتُ الأمنية التركية في ضَربِ وقَصفِ مواقعِ مُسلّحي حزب العمال الكردستاني.. وسيتولّى هذا المجلسُ، في نهاية المطاف، وضعَ أسُسِ السلام التي ستَبني تركيا الجديدةَ.
2- الحزمُ في التعامل مع كافة الأحزاب والجماعات والعناصر الكردية المُسلّحَة المُعادية لتركيا، في سوريا وإقليم كردستان العراق وغرب إيران، وقد تمَّ اتخاذُ قرارِ نزعِ سلاحِها باجتياحٍ عسكريٍّ مُشتركٍ، من قواتٍ عسكريّةٍ تركيّةٍ وجماعاتٍ وميليشياتٍ مُسلّحةٍ مواليةٍ لها، وسيبدأ الاجتياجُ من سنجار ولغاية الأراضي الإيرانية، وسيتولّى هذا المجلسُ تنفيذَ هذا الاجتياح، والتنسيقَ للتعبئة الشعبية، وتوظيفَها لصالحِ أردوغان والائتلافِ الحكومي.
3- سيكون هذا الاجتياحُ التركي مُتزامِنًا مع اسنادٍ وتأهيلٍ أمريكيٍّ لجهاتٍ مُحدَّدَةٍ ودعمِها للسيطرة على النظام السياسي في العراق، وتأسيسِ واقعِ حالٍ جديدٍ فيه، وذلك بالتنسيق مع الحكومةِ التركية، وقوّاتِها المسلَّحةِ.
4- التعبئةُ العامّةُ الهَجينةُ، حكوميًّا وشعبيًّا، لمواجهة مُخطَّطِ نتانياهو وحكومتِه القومية اليمينية الخاصِّ بتأسيس الدولة اليهودية واستقطاعِ أراضٍ من المنطقة، فقد أعلنَ الرئيسُ أردوغان بعد أحداث غزة أنّ هدفَ نتانياهو القادمَ هو تركيا، لذلك، وبعد أنِ أقتربَ اليومُ المنتظَرُ، يُعِدُّ أردوغانُ حكومتَه، من خلال مجلس الأمن القومي، لمواجهة المشروع الإسرائيلي، بمشروعٍ تركيٍّ مُنافسٍ في الساحة الكردية، والتي ستَنتهي، حتمًا، بِتَقاسُمِ مَناطقِ النفوذِ.
هذه هي أسبابُ هذا التعديل في هيكلة مجلس الأمن القومي التركي، الذي يستهدفُ الأطرافَ الثلاثةَ: إسرائيل والعراق والكرد، وهو، في نفس الوقت، يُحْكِمُ موطأَ قَدمِ تركيا في المنطقة.
إسرائيلُ تَعي خُطَطَ أردوغان واستعداداتِه تجاهها، وتتّخذُ الإجراءاتِ اللازمةَ بشأنِها، في وقتها المناسب، فهل يُدرِكُ العراقُ والكردُ ما يُخطِّطُه أردوغانُ لهما، وفي أراضِيهما، بِتَمَوضِعِه الجديدِ هذا؟