هل يدفع العراقي ضريبة انسداد مضيق هرمز؟
صادق الازرقي
منذ اندلاع شرارة المواجهة الحالية في الخليج ومضيق هرمز، والمنطقة تعيش حالة من حبس الأنفاس نتيجة التداخل المعقد بين الحسابات العسكرية والاقتصادية، و إذا استمرت هذه الحرب وتوسعت آمادها، فإن التأثيرات ستنتقل من مرحلة الصدمة المؤقتة إلى الإرهاق العميق، اذ ان توقف الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من نفط وغاز العالم بحسب الارقام أدى بالفعل لقفزات في الأسعار لتتجاوز 92-100 دولار لبرميل النفط، وان إطالة الحرب تعني عجزا في الإمدادات قد يدفع الأسعار لمستويات قياسية (120 دولارا فأكثر)، مما يرفع تكلفة المعيشة عالميا ومحليا.
بالنسبة لدول مثل العراق، التي تعتمد بنسبة 90% على النفط المصدر عبر الخليج، فإن تعطل التصدير يهدد بشكل مباشر قدرة الدولة على تأمين رواتب القطاع العام، وقد تلجأ الحكومات لخيارات صعبة مثل الادخار الإجباري أو الاقتراض الداخلي، وان دولا مثل العراق والكويت، وقطر، والإمارات تعتمد بقوة على الاستيراد البحري والجوي، وان إطالة الحرب تعني نقصا في السلع الأساسية وارتفاعا كبيرا في تكاليف الشحن والتأمين التي ارتفعت بالفعل بنسبة تتراوح بين 8-12%.
وهناك التأثيرات غير المباشرة وبعيدة المدى، من ذلك ان الحرب الطويلة تقتل الثقة، فالتقارير تشير إلى تراجع متوقع في الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 10-20%، اذ يبحث رأس المال عن ملاذات آمنة خارج المنطقة، مما يعطل مشاريع التنمية والتنويع الاقتصادي مثل رؤية 2030 في السعودية أو مشاريع الإعمار في العراق، و يخشى الخبراء من دخول المنطقة في حالة "الركود التضخمي"، وهي أخطر السيناريوهات اذ تترافق الأسعار المرتفعة مع توقف النمو الاقتصادي، مما يؤدي لزيادة معدلات البطالة وتآكل المدخرات.
وفي حال توسع الاستهداف ليشمل منشآت حيوية مثل الكهرباء والمياه، ستواجه الشعوب معاناة يومية في الحصول على الخدمات الأساسية، فضلا عن انبثاق موجات نزوح داخلية أو خارجية تضغط على موارد الدول المجاورة. وبرغم سوداوية المشهد، تمتلك بعض دول المنطقة هوامش مناورة، مثل سلطنة عمان التي تستفيد من موقعها خارج المضيق، أو السعودية والإمارات اللتين تمتلكان خطوط أنابيب بديلة مثل خط حبشان-الفجيرة، لكن هذه البدائل تظل قاصرة عن تعويض السعة الكاملة للخليج إذا طال أمد الصراع.
ولدينا في العراق، فان ما يحدث الآن في الأسواق ليس مجرد صدفة، بل هو نتيجة مباشرة لاختناق الممرات التجارية والاعتماد المفرط على الاستيراد، وإذا استمرت هذه الحرب واتسعت رقعتها، سينعكس ذلك على سلة الغذاء في بغداد والمحافظات، اذ ان أغلب الخضروات المستوردة تأتي عبر الحدود مع دول الجوار، ومع ارتفاع أسعار الوقود عالميا واضطراب حركة الشاحنات بسبب المخاطر الأمنية، يضيف الناقلون علاوة مخاطر ترفع السعر النهائي على المستهلك.
ان المواد الغذائية سريعة التلف مثل الطماطة ومعظم الخضروات، تتطلب شحنا سريعا وتبريدا متواصلا، وان أي تأخير في المنافذ الحدودية بسبب إجراءات الحرب يعني تلف كميات كبيرة، مما يقلل العرض ويرفع السعر فورا، وقد حدث هذا بالفعل مع بداية الازمة، اذ ارتفع سعر كيلو الطماطة في بغداد بغضون أيام من 500 او 750 دينارا الى ألف وربع او 1500 دينار.
وبما أن العراق يستورد جزءا كبيرا من مدخلات الإنتاج الزراعي من البذور، والأسمدة، والمعدات، وأيضا السلع المصنعة مثل الزيت، والسكر، والطحين، وحتى الملابس، فإن أي انخفاض في قيمة الدينار أو صعوبة في التحويلات المالية الدولية نتيجة العقوبات أو ضغوط الحرب، قد يؤدي إلى اختفاء أصناف معينة وقد لا نجد بعض العلامات التجارية المعتادة في "الشورجة" أو مراكز التسوق، وستضطر العائلات لتقليل الاعتماد على المواد المستوردة والبحث عن بدائل محلية قد لا تكون كافية لسد الحاجة.
وفي ظل نقص الاستيراد، يزداد الضغط على المزارع العراقي في الزبير أو كربلاء أو ديالى وغيرها، لكن هذا المزارع يواجه بدوره تحديات مرتبطة بالحرب تتمثل بارتفاع أسعار الأسمدة والمبيدات المستوردة ومخاوف من تأثر إمدادات المياه أو الطاقة المطلوبة للري.
لو طال أمد الصراع، قد نرى إجراءات تقشفية أو تنظيمية مثل تفعيل البطاقة التموينية بشكل أوسع، لضمان وصول المواد الأساسية وتشجيع الزراعة المنزلية، لتقليل الاعتماد على الطماطة والخضروات المستوردة، وفتح منافذ حدودية بديلة لتنويع مصادر الاستيراد بعيدا عن مناطق التوتر المباشر.
لوحظ في خضم الازمة توجه من الناس لتخزين المواد الأساسية الجافة في البيوت، هذا التوجه نحو التخزين الاحتياطي، هو رد فعل غريزي واعتيادي تماما في الأزمات، لكنه سلاح ذو حدين؛ فهو يحمي العائلة فرديا، لكنه يضغط على السوق جماعيا، وعندما يبدأ السكان في بغداد أو البصرة أو الموصل بتخزين الطحين، والرز، والزيت، والبقوليات، فإننا ننتقل من مرحلة غلاء بسبب الاستيراد إلى مرحلة غلاء بسبب ما يسمى الهلع الاستهلاكي.
وتسمى الظاهرة في الادبيات الاقتصادية "الندرة المصطنعة"، فحين يتضاعف الطلب فجأة بدلا من شراء كيس رز واحد، تشتري العائلة 5 أكياس، ينفد المخزون من الرفوف بسرعة لا تستطيع سلاسل التوريد ملاحقتها؛ هذا يمنح بعض التجار ضعاف النفوس فرصة ذهبية لاحتكار الكميات المتبقية ورفع أسعارها لمستويات خيالية، بعيدا عن السعر العالمي الحقيقي. التوجه الجماعي للتخزين يعني سحب كميات ضخمة من السيولة النقدية من المصارف أو الموجودات المنزلية وضخها في السوق دفعة واحدة، و هذا التحرك المفاجئ للكتلة النقدية قد يسهم في رفع أسعار السلع الغذائية بشكل أسرع من ارتفاعها العالمي، كما تتولد زيادة في الطلب على الدولار لتغطية عقود استيراد جديدة وعاجلة، مما قد يضغط على سعر صرف الدينار في الأسواق الموازية أي البورصات المحلية.
هذا وناهيك عن المخاطر التقنية في التخزين العشوائي في المنازل، بخاصة مع تذبذب التيار الكهربائي واختلاف درجات الحرارة في العراق، كما ان المواد الجافة كالبقوليات والطحين قد تتعرض للتلف أو التسوس إذا لم تخزن بظروف مثالية، هذا يؤدي لاحقا إلى خسارة مالية للعائلة وهدر في الموارد الوطنية الغذائية.
وإزاء هذا، لم تتخذ الحكومة إجراءات رقابية فعالة وهذا هو التحدي الحقيقي في بنية السوق العراقية؛ فالتوسع الأفقي للأسواق من "الشورجة" وصولا إلى المحال الصغيرة في الأزقة الشعبية يجعل السيطرة المركزية شبه مستحيلة، بخاصة في ظل أزمة مفتوحة السقف الزمني ومحدودية الجولات الرقابية تحت ظروف الحرب الحالية.