نيجيرفان بارزاني في ميونخ.. دبلوماسية الاستقرار وصوت كوردستان في دوائر القرار الدولي
نوري بيخالي
في زمنٍ تتكاثر فيه الأزمات الإقليمية وتتعقّد فيه خرائط النفوذ، يبرز الحضور في المحافل الدولية بوصفه معياراً حقيقياً لوزن الفاعلين السياسيين وموقعهم في معادلات القرار. ومن هذا المنظور، جاء حضور رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني في مؤتمر ميونخ للأمن ليعكس موقع الإقليم كلاعب استقرار في منطقة تعيش على إيقاع التحولات المتسارعة. فالمشاركة في هذا المحفل العالمي لم تكن بروتوكولية أو رمزية، بل كانت انخراطاً مباشراً في نقاشات تمسّ جوهر الملفات الأكثر حساسية في المنطقة، وفي مقدمتها تطورات الوضع في سوريا ومسار تشكيل الحكومة العراقية الجديدة.
لقد حرص رئيس الإقليم في لقاءاته مع قادة ومسؤولي دول ذات تأثير مباشر في القرار الدولي على التأكيد أن إقليم كوردستان سيبقى عاملاً للاستقرار، سواء عبر دعمه لمسار تشكيل الحكومة الاتحادية في بغداد أو من خلال إسهامه في تقريب وجهات النظر بين الأطراف الكوردية والسورية. وهذه الرسالة لم تأتِ في فراغ، بل في سياق قناعة دولية متزايدة بأن وجود إقليم كوردستان قوي ضمن عراق اتحادي مستقر يشكّل ركيزة توازن في معادلة الأمن الإقليمي. فالإقليم، بما راكمه من تجربة سياسية ودستورية، أثبت أنه قادر على إدارة التعددية، وعلى لعب دور الوسيط المقبول في لحظات الانسداد السياسي، وهو ما يجعل دعمه لتشكيل الحكومة العراقية خياراً استراتيجياً يتجاوز الحسابات الضيقة إلى منطق الدولة والاستقرار.
وفيما يتعلق بسوريا، تبنّى نيجيرفان بارزاني خطاباً يتسم بالواقعية السياسية بعيداً عن الشعارات، مؤكداً دعم أي اتفاق يمكن التوصل إليه بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، انطلاقاً من أن أي تفاهم مرحلي في الظروف الراهنة يُعد خطوة إيجابية على طريق التهدئة. كما شدد على ضرورة ضمان حقوق الكورد وسائر المكونات في الدستور السوري المستقبلي ضمن إطار سوريا موحدة، رافضاً في الوقت ذاته الطروحات غير الواقعية كاستنساخ تجربة إقليم كوردستان حرفياً، لأن لكل بلد خصوصيته الجغرافية والسياسية والاجتماعية. إن هذه المقاربة تعبّر عن قراءة متوازنة تعترف بالفرص كما تعترف بالتحديات، وتضع مصلحة الاستقرار فوق أي اعتبارات أخرى.
وفي سياق العلاقات الإقليمية، حافظ رئيس الإقليم على خطاب متوازن في التعاطي مع قضايا المنطقة، ومؤكداً أن نجاح أي مسار تفاوضي يتطلب التزاماً حقيقياً من جميع الأطراف. هذا التوازن يعكس سياسة قائمة على الانفتاح والحوار مع مختلف العواصم المؤثرة، بعيداً عن الاصطفافات الحادة، وهو ما عزز مكانة الإقليم كشريك موثوق لدى دول القرار.
إن ما يميز هذا الحضور الدولي لا يقتصر على كثافة اللقاءات أو طبيعة المشاركين فيها، بل يتمثل في مضمون الرسائل التي يحملها الإقليم إلى العالم: رسالة مفادها أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة بل يُبنى بالتفاهم، وأن ضمان الحقوق الدستورية للمكونات هو الضامن الحقيقي لوحدة الدول، وأن الحوار، مهما بدا بطيئاً، يبقى الطريق الأقل كلفة نحو الحلول المستدامة.
وفي لحظة إقليمية شديدة التعقيد، يقدّم إقليم كوردستان نفسه، عبر قيادته، بوصفه جسراً بين العواصم المتباعدة وشريكاً في صناعة الحلول، لا ساحةً لتصفية الصراعات. وهنا يتجلى المعنى العميق للحضور البارز لرئيس إقليم كوردستان في المحافل الدولية: أن تكون جزءاً من القرار، وأن يُنظر إليك باعتبارك عاملاً للاستقرار في محيط يموج بالتحولات.