رئيس الوزراء بين منطق السياسة ومتطلبات الدولة
نوري بيخالي
على مدى أكثر من عشرين عامًا مضت، لم يكن ولا يزال اختيار رئيس الحكومة في العراق عملية تقنية تستند إلى الكفاءة والقدرة على تقديم الحلول، بل كانت العملية توازنًا معقدًا غالبًا ما وجّهته ويوجهه تغليب المصالح الفئوية على المصلحة الوطنية. وعند التمعن في تلك الشروط المسبقة التي حددت ولا تزال تحدد مسار هذه العملية، على مستوى حاضر ومستقبل النظام السياسي والحكم في العراق، نجد أنفسنا أمام قلق وعبثية.
الشرط الأول يتعلق بالالتزام بعدم المساس بتلك المنظومة الاقتصادية المشوهة التي أنشأتها القوى السياسية خلال السنوات الماضية. بما أن هذه القوى أصبحت كيانات اقتصادية ضخمة تدير شبكات مالية وتجارية واسعة، فمن المتوقع أن أي شخص يُختار لرئاسة الحكومة يجب أن يتعهد بعدم المساس بهذه الشبكات، وألا يفكر في أي جهد أو خطوة قد تضعها مستقبلًا تحت رقابة الحكومة.
هذا الشرط الضمني يعني أنه من أجل حماية مصالح القوى والمراكز المشوهة للدولة، يجب على الدولة أن تتخلى عن سيادتها الاقتصادية، وأن يصبح رئيس الوزراء مراقبًا لتوزيع الثروة الوطنية، وليس حاميًا وحارسًا لها.
الشرط الثاني يتعلق بالقبول المسبق بأن العراق ليس لديه حرية كاملة في صياغة سياساته، خاصة تلك السياسات التي قد يكون لها تأثير على التوازنات الإقليمية. أي أن رئيس الوزراء لا يجب أن يتجرأ على التفكير في أي خطوة قد تزعج القوى الإقليمية المؤثرة، حتى وإن كانت هذه الخطوات في مصلحة العراق.
وهذا يعني أن السيادة الوطنية في اتخاذ القرار هي أكثر نظرية من كونها واقعًا، وأن حكومة العراق يجب أن تكون امتدادًا للتفاهمات الإقليمية، وليست معبرة عن إرادة وطنية مستقلة.
الشرط الثالث يتمثل في أن أي شخص يُختار وقبل أن يتولى المنصب، يجب عليه الحصول على رضا بعض الأطراف الخارجية المحددة. هذا الشرط إشارة إلى وجود فيتو وآليات غير معلنة تتحكم في العملية السياسية، وهو أيضًا إشارة إلى أن بغداد وحدها لا تتخذ القرار النهائي في تعيين رئيس الحكومة.
هذا الواقع يطرح علامة استفهام كبيرة حول مدى استقلالية القرار السياسي العراقي، ويجعل من رئيس الوزراء شخصية متفقًا عليها ومقبولة من الجميع مسبقًا، شخصية لا تمثل تمامًا قرارًا وخيارًا حقيقيًا من طرف واحد.
الأكثر إثارة للقلق من كل ذلك هو الشرط الرابع، الذي يضع الخبرة الإدارية والكفاءة المهنية في هامش الهوامش من الشروط والأولويات. بينما تواجه الدولة أزمة عميقة وتحديات كبيرة في البنية التحتية والخدمات والبطالة والفساد، يُختار رئيس الوزراء على أساس قدرته على إدارة التوازنات السياسية، وليس بالنظر إلى قدرته وكفاءته في إدارة الدولة.
هذا الانقلاب على المعايير والانحراف عن المبادئ يوضح لنا حقيقة سبب أنه رغم تعاقب الحكومات، لم تشهد الدولة العراقية في أداء الحكومة والحكم حتى هذه اللحظة أي تطور أو تغيير أو تقدم ملحوظ.
هذه الشروط مجتمعة ترسم صورة نظام سياسي لا يكون فيه المواطن حاضرًا بأي شكل في معادلة الاختيار، وتلك الحكومة التي يجب أن تكون أداة لخدمة شعوب العراق بمختلف مكوناتهم، لكنها أصبحت ساحة لإدارة التفاهمات والاتفاقات بين القوى المسيطرة والمهيمنة.
السؤال المهم والجوهري في هذا السياق هو: في ظل هذا المنطق، كيف يمكن بناء دولة المواطنة ومؤسسات فاعلة؟
إجابة هذا السؤال تختصر في ضرورة إعادة تعريف الأولويات الوطنية والضغط المستمر من المجتمع المدني ووسائل الإعلام الحرة لفضح هذه الترتيبات غير المعلنة.
باختصار: ما لم يدرك المواطنون أن النظام الحالي لم يُصمم لخدمتهم، فإن هذا الواقع لن يتغير. والتغيير الحقيقي يتم بالمطالبة بمعايير جديدة، بأن تكون الكفاءة والنزاهة والاستقلالية في مقدمة ترتيب شروط اختيار من يحكمون.