معاهدة لوزان: مئوية الانكسار الكردي وصناعة الشرطي التركي في الشرق الأوسط

معاهدة لوزان: مئوية الانكسار الكردي وصناعة الشرطي التركي في الشرق الأوسط

رمزي ميركاني

2026-07-24T15:22:48+00:00

تمثل معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو 1923، نقطة التحول الأبرز في تاريخ الشرق الأوسط الحديث؛ فهي لم تكن مجرد اتفاقية سلام لتسوية تداعيات الحرب العالمية الأولى، بل كانت "المخطط الهندسي" الذي أعاد رسم الجغرافيا السياسية للمنطقة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية. وبينما احتفل الأتراك بها كوثيقة ميلاد لجمهوريتهم الحديثة، يراها الكرد والعديد من شعوب المنطقة بوصفها "المؤامرة الكبرى" التي أسست لنظام إقليمي يقوم على الإقصاء، وتجزئة الهويات، وخدمة المصالح الإمبريالية.

من سيفر إلى لوزان: الالتفاف على الوعود

جاءت معاهدة لوزان لتشكل ارتداداً كاملاً عن "معاهدة سيفر" (1920)، التي اعترفت في بنودها (62، 63، 64) بحق الكرد في تقرير المصير وإقامة دولة مستقلة. ومع صعود مصطفى كمال أتاتورك ونجاحاته العسكرية، آثرت القوى الدولية، وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا، مصالحها الاستراتيجية على وعودها الأخلاقية. فبريطانيا، التي كانت عيناها على نفط ولاية الموصل، وفرنسا، التي سعت لتثبيت انتدابها في الشام، وجدتا في الدولة التركية الناشئة "شريكاً واقعياً" يمكنه ضبط التوازنات ومنع التمدد الشيوعي السوفياتي. وهكذا، تم إسقاط الحقوق الكردية من أجندة لوزان، ليجد الكرد أنفسهم موزعين بين أربعة كيانات سياسية جديدة، دون أي اعتراف بهويتهم القومية.

تركيا: الشرطي في خدمة النظام العالمي

تطرح الدراسة رؤية نقدية عميقة للدور التركي، حيث لم تكن الجمهورية الكمالية مجرد دولة قومية مستقلة، بل أُوكِلت إليها مهمة "الشرطي" الذي يراقب المنطقة ويحمي مصالح القوى المهيمنة. لقد استندت هذه الدولة في جوهرها إلى تحالف "البورجوازية التركية" مع القوى الغربية والصهيونية، لتعمل كذراع ضاربة ضد القوى التي يمكن أن تهدد النظام العالمي الجديد، سواء كانوا من الشيوعيين، الإسلاميين القوميين، أو الكرد. هذا الدور جعل من تركيا "دولة إسرائيلية بدئية"، مهدت الطريق لاحقاً لتأسيس دولة إسرائيل في قلب الشرق الأوسط عبر تفتيت وحدة "الأمة الإسلامية" وإحلال النزعات القومية الضيقة محلها.

صراع الجمهوريتين: من العلمانية إلى الإسلام السياسي

مرت تركيا بمرحلتين رئيسيتين في ظل إرث لوزان. "الجمهورية الأولى" (الكمالية) تبنت القومية العلمانية المتطرفة كدين للدولة، وقامت بتصفية الميول الديمقراطية عبر "الأأتراك البيض" الذين أقصوا كل المكونات الأخرى. ومع تحول التوازنات الدولية في السبعينيات والثمانينيات، برزت "الجمهورية الثانية" مع صعود الإسلام السياسي (حزب العدالة والتنمية)، الذي لم يغير في الجوهر الإقصائي للدولة بقدر ما غير في "الأداة". فإذا كانت الجمهورية الأولى قد استخدمت العلمانية لقمع الكرد، فإن الجمهورية الثانية استخدمت "الإسلام المعتدل" كأداة لتطويع المنطقة وخدمة أمن إسرائيل، مع محاولة "بورجوازية الأناضول" الحصول على حصة أكبر من كعكة النفوذ الإقليمي.

المعضلة الكردية: جرح لوزان المفتوح

يبقى الكرد هم الضحية الكبرى لهذا النظام الذي أسسته لوزان. فالمعاهدة لم تكتفِ بتجاهل وجودهم، بل شرعنت سياسات الصهر والإنكار التي مارستها الأنظمة المتعاقبة. ورغم الثورات المتلاحقة، من "ثورة كوجكيري" إلى "ثورة الشيخ سعيد" وصولاً إلى النضالات المعاصرة، ظل "القانون الفولاذي" للدولة القومية التركية يرفض أي اعتراف بالحقوق الديمقراطية. إن لوزان، بهذا المعنى، لم تكن اتفاقية سلام، بل كانت "مصيدة" نصبت لاستدامة الصراعات العرقية والمذهبية، مما يضمن بقاء دول المنطقة في حالة استنزاف دائم يسهل التحكم بها.

خاتمة: نحو تصحيح المسار التاريخي

إن مرور قرن على لوزان يفرض ضرورة إعادة النظر في هذا المسار المتعثر. إن تركيا، التي تحولت سياستها من "صفر مشاكل" إلى "صفر أصدقاء"، لن تجد استقرارها في النزعات التوسعية أو استعداء جيرانها، بل في "التصالح مع الذات ومع شعوب المنطقة". إن المخرج الحقيقي يكمن في تجاوز نموذج "الدولة القومية الإقصائية" نحو مفهوم "الأمة الديمقراطية" التي تعترف بحقوق المكونات، وفي مقدمتها الشعب الكردي، كشريك أصيل ومؤسس. وتصحيح "ظلم لوزان" ليس بتمزيق الحدود، بل بجعلها حدوداً للتعاون الديمقراطي بدلاً من أن تكون خنادق للإنكار والدماء.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon