كوردستان في مرمى الحقد
صبحي ساله يي
لم يعد التصعيد والهجمات الجبانة التي تستهدف إقليم كوردستان مجرد اعتداءات أمنية عابرة يمكن احتواؤها ببيان إدانة أو إستنكار، بل تحولت إلى نمط ممنهج من الاستهداف المركب، تتكامل فيه منصات الصواريخ مع وسائل الأعلام، في محاولة واضحة الدوافع تهدف لكسر معادلة الاستقرار والإزدهار التي أرساها الإقليم، رغم بيئة إقليمية ودولية معقدة تتلاطم فيها الاجندات المختلفة.
ما حدث سابقاً وما يحدث في هذه الأيام ليس فوضى، بل قرار. وليس صدفة، بل إستراتيجية متكاملة الأركان. وحين تسقط الصواريخ على كوردستان، فهي لا تبحث فقط عن أهداف ونقاط معينة، بل تستهدف معنى الاستقرار ذاته. إنها رسائل سياسية صريحة مفادها: لا مساحة آمنة خارج حسابات الصراع، ولا تجربة ناجحة يُسمح لها بالاستمرار دون أن تُدفع ثمن استقلاليتها.
تعتبر الصواريخ والطائرات المسيرة التي تستهدف كوردستان نصفاً للمشهد. أما النصف الآخر فيُدار بهدوء عبر حرب إعلامية شرسة، تستخدم فيها كل الأدوات الممكنة لتشويه صورة الإقليم، وطعن خاصرته وضرب الثقة بتجربته. وهنا، ظهر بوضوح واحدة من أكثر الذرائع استخدامًا: ملف تصدير النفط عبر ميناء جيهان.
طُّرح هذا الملف في الخطاب الإعلامي وكأنه خطيئة لحكومة كوردستان، وتم تضخيمه وتسييسه عبر البيانات والتصريحات المسمومة إلى حد تصويره كسبب لكل الأزمات، متجاهلين الممارسات الخاطئة لوزارة النفط الإتحادية وتعقيدات العلاقة بين بغداد وأربيل، وسنوات من الخلافات حول الموازنات والحقوق المالية وتجاهل وخرق الدستور. وتحول النقاش من كونه ملفًا قانونيًا وسياسيًا معقدًا إلى أداة اتهام جاهزة، تُستخدم لتبرير الضغوط أو التخفيف من وقعها، بل وحتى لإضفاء غطاء سياسي على الاستهداف.
الطروحات المعادية لكوردستان تُدار بخطاب متكرر، وأدوات متعددة، وغايات واضحة وتحريضات علنية تربط بين صواريخ تحلق في الأجواء وتضرب البنية التحتية وتثير الخوف، وخطابات إعلامية تضرب الوعي والمعنويات وتزرع الشك، وتستهدف تماسك المجتمع وثقته بمؤسساته وحكومته الشرعية، وكلاهما تؤديان وظيفة واحدة وهي إضعاف كوردستان، وهذه ليست مجرد حملة عابرة، بل محاولة لإعادة تشكيل صورة الإقليم: من نموذج للاستقرار والإزدهار إلى كيان متهم، ومن تجربة ناجحة إلى مشروع مشكوك في شرعيته.
إن أخطر ما في هذه المعادلة ليس الصواريخ بحد ذاتها، بل البيئة الخطابية التي تحاول تبريرها أو التخفيف من وقعها. فحين يُبرر الاستهداف، و يُربط بذريعة سياسية مثل ملف النفط، فإننا نكون أمام انزلاق خطير من الإدانة إلى التطبيع مع العدوان.
كوردستان اليوم تواجه اختبارًا مزدوجًا: حماية الأرض من الاستهداف، وحماية الإنجازات من التشويه. فالمعركة لم تعد فقط على الجغرافيا، بل على معنى الاستقرار، ومعنى الشرعية، ومعنى الحق في أن تكون تجربة مختلفة.
في الختام، ليست كل الطعنات قاتلة، لكن بعضها يُراد لها أن تكون استنزافًا طويل الأمد. وهنا، لا يكفي الصمود الأمني وحده، بل لا بد من وعي سياسي وإعلامي يفضح هذه المعادلة، ويعيد الأمور إلى نصابها: الصواريخ عدوان، والتشويه شراكة فيه… حتى وإن جاء بعبارات ناعمة.