"صفّارة إسعاف… وصدى وطن أنهك أبناءه"

"صفّارة إسعاف… وصدى وطن أنهك أبناءه"

فرست عبدالرحمن مصطفى

2026-02-16T09:50:42+00:00

في ظهيرةٍ رماديّة كنّا واقفين أمام مدخل المدرسة نراقب حركة الشارع التي لا تختلف كثيراً عن نبض وطنٍ اعتاد أن يلهث دون أن يصل. مرّت سيارة إسعاف تشقُّ الهواء بصفارات حادّة كأنها تستغيث بنفسها وتقول "ما عاد في القلب متّسعٌ للمزيد".

توقّفنا لحظة بينما علا ضجيجها فوق رؤوسنا فالتفت زميلي المدرس (ب) وقال بنبرةٍ أثقل من الصدم “لماذا كل هذه الضجة؟ دعه يموت… ليرتاح من هذه المآسي. أتريد أن تعيدوه للحياة ليظل يتعذّب؟ هنا لا ينجو أحد.”

كانت كلماته مثل حجرٍ يسقط في بئرٍ عميق لا يُسمع له ارتداد. لا لأنّها قاسية بل لأنها صادقة حدّ الوجع. في وطني صار الموتُ خياراً رحيماً وصارت الحياةُ ابتلاءً طويلا لا يملك الناس منه خلاصاً. أصبحنا نحسد الميت لا لأنه غادر بل لأنه نجا.

نجا من انتظارٍ لا ينتهي ومن خيباتٍ تتكاثر مثل الأعشاب البرية، من التضييق ومن الظلم من هذا الهواء المثقل بالخذلان.

هنا عندما تمر سيارة إسعاف مسرعةً لا يتبادر إلى الأذهان سؤال، هل سينجو المريض؟

بل سؤالٌ آخر أشدّ مرارة “هل يستحق العودة؟ وهل الحياة هنا تستحق أن يُقاتل المرء لأجلها؟”

نحن الذين كُتب علينا أن نحيا داخل وطنٍ يلتهم أبناءه ببطء، لم نعد نخاف من الموت بل من استمرار الحياة كما هي.

الحياة هنا ليست نعمة بل امتحان صعب بلا أسئلة واضحة ولا فرصة للنجاح.

الناس يمشون في الطرقات وهم يحملون على ظهورهم أعماراً متعبة وقلوبا مكسورة وأحلاماً فقدت بريقها قبل أن تولد.

نحن أبناء بلدٍ صار فيه الأمل رفاهية والكرامة مغامرة والنجاة معجزة.

بلدٍ تعلّم فيه الجميع أن الألم جزء من اليوميات كالقهوة الصباحية وكالأخبار الثقيلة، وكالصمت الذي يخيّم على الوجوه بلا تفسير.

يا وطني، أيُّ وطنٍ أنت؟

كيف استطعت أن تجعل أبناءك يتمنّون الرحيل؟

كيف صار الموت فيك طريقاً أقصر للراحة من الحياة؟

وكيف تحوّلنا إلى أمّةٍ تُعزّي نفسها بأن الميت ارتاح فيما الأحياء ما زالوا عالقين في هذا الجرح المفتوح؟

أمام تلك المدرسة ومع صدى صفارةٍ لا تزال ترنّ في أذني أدركت الحقيقة التي ترفض قلوبنا الاعتراف بها "إننا نعيش في مكانٍ أصبح الموت فيه خلاصاً والبقاء معركةً خاسرة".

ومع ذلك… ورغم كل شيء… ما زلنا نتمسّك بشيءٍ صغير لا نفهمه، شيءٍ يجعلنا نقف كل صباح ونمشي. ربما يسمّونه الأمل وربما يسمّونه العناد، لكنّه يبقينا على قيد الحياة حتى لو كانت الحياة نفسها تتكئ على عكّازين من الألم.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon