الصبر أولاً.. الوطن لاحقاً
فرست عبدالرحمن مصطفى
"دليل المواطن العراقي لإدارة دولة لا تُدار"
في العراق لا تُصنَع الشخصيات السياسية كما تُصنَع الدول بل كما تُفصَّل البدلات في محال الخياطة الحزبية، مقاس الولاء أولاً ثم تُضاف الشعارات لاحقاً للزينة. لا يهم إن كان القماش رديئاً أو الفكرة مهترئة، المهم أن يكون القياس مضبوطاً على جسد الزعيم أو على مقاس المرجعية أو على حجم المؤسسة المالية التي تدفع بصمت وتبتسم في العلن.
السياسي هنا لا يولد من رحم المجتمع بل يخرج من حضن الحزب. يدخل مبتدئاً بلا رأي واضح ولا موقف حاسم لكنه يحمل شهادة عليا في الطاعة العمياء. يتدرّج لا في الفهم ولا في التجربة بل في مقدار الانحناء حتى يصل إلى مرحلة "جاهز للإدارة". عندها يُسلَّم مفاتيح الوطن كما تُسلَّم شركة خاسرة لمدير مؤقت مع توصية واحدة وهي لا تُفكّر… نفّذ فقط.
أما المرجعية الدينية فهي في بعض النسخ السياسية ليست ضميراً أخلاقياً بقدر ما هي ختم مصادقة. تُستدعى عند الحاجة وتُستثمر كلماتها كما تُستثمر الآيات في موسم الانتخابات. يُلبس الفشل عباءة القداسة وتُحوَّل الأخطاء إلى ابتلاءات، وكأن الدولة مشروع صوفي لا ميزانية له ولا محاسبة.
وإذا لم يكفِ الحزب ولا المرجعية فالمؤسسة المالية جاهزة دائماً. تمسك بالخيوط من الخلف، لا تظهر في الصورة لكنها تُحدّد الزاوية والإضاءة. السياسي يصبح واجهة والوطن واجهة أكبر بينما القرار الحقيقي يُتخذ في مكان آخر وربما بلغة أخرى وبعملة غير الدينار.
وحين يصل هذا الخليط العجيب إلى السلطة تبدأ السياسة بالتحوّل إلى دفتر صفقات. الوزارات حصص والمشاريع غنائم والعقود مكافآت ولاء. لا حديث عن المواطن إلا في الخطب، ولا ذكر له في القرارات إلا كرقم مزعج في تقارير الفقر والبطالة. المواطن إمّا بضاعة تُباع باسمه أو ضحية تُستثمر دموعها أو ورقة ضغط تُلوَّح بها عند اللزوم.
أما الدين والمذهب فقد تحوّلا من قيم جامعة إلى أدوات تخويف. يُقسَّم المواطن لا ليُفهَم بل ليُستَخدَم. يُطالَب بالصبر باسم الحكمة وبالصمت باسم المصلحة العامة وبالتضحية باسم الوطن. وكأن الصبر مادة دستورية أُقِرّت في جلسة سرية بندها الوحيد “يلتزم المواطن بالصبر إلى قيام الساعة دون حق الاعتراض”.
المفارقة أن كل هذه الشخصيات تتحدث بثقة عن الدولة بينما الدولة نفسها تقف في الزاوية تنتظر من يعترف بوجودها. يتحدثون عن السيادة وهم يوقّعون باسمها، وعن الكرامة وهم يضعونها في الهامش، وعن المستقبل وهم مشغولون بتصفية حسابات الماضي.
وهكذا تستمر المسرحية، أحزاب تصنع رجالاً ورجال يديرون وطناً ووطن يُطلب منه أن يصبر. أما المواطن العراقي فقد أصبح خبيراً في الصبر حتى بات السؤال الحقيقي ليس إلى متى؟ بل هل بقي شيء لم نصبر عليه بعد؟