صرخة من قلب "بغداد": هل ينصف المنبر الديني مظلومية الكورد؟
ماجد سوره ميري
في لحظة فارقة تجتمع فيها هيبة الموت بجلال الكلمة، أطلق الشيخ كاظم الأركوازي، خلال مجلس عزاء لأحد أبناء الكورد في مناطق الوسط والجنوب، تساؤلات لم تكن مجرد رثاء لفقيد، بل كانت تشريحا لواقع أمة وجلد لضمير إنساني غائب؛ هذه الصرخة أثارت في نفسي شحنتين عاطفيتين متضادتين: غصة الألم على تاريخ من التنكيل، واغتباط الأمل بوعي قومي وإنساني ينبع من قلب المؤسسة الدينية.
الجرح المفتوح: لماذا كل هذا العداء؟
لم يكتف الشيخ الأركوازي بالدعوة إلى التضرع والعبادة في الأوقات العصيبة، بل نفذ بوعي حاد إلى جوهر "القضية الكوردية"، متسائلا بمرارة عن سر "الغل" التاريخي الذي تمارسه الأنظمة المتعاقبة ضد شعب موغل في القدم بأرضه؛ إن ما يتعرض له الكورد من قتل ممنهج، تهميش، وإنكار للهوية، ليس مجرد حوادث عابرة، بل هو نهج مارسته دول تتقاسم الجغرافيا وتفتقر إلى قيم العدالة.
لقد استعرض الشيخ شريط الوجع الكوردي؛ من جريمة تهجير الكورد الفيليين وتغييب هويتهم، مرورا بعمليات الأنفال سيئة الصيت وقصف حلبجة بالأسلحة الكيماوية، وصولا إلى ما يتعرض له الكورد في شمال وغرب كوردستان، وما يحدث اليوم في سوريا. تساؤل الشيخ كان مشروعا وصادما: كيف يُستهدف شعب لم يسجل التاريخ يوما أنه اعتدى على جار، أو اغتصب حقا، أو نازع ملكا؟
المنبر الديني.. من الوعظ إلى التنوير القومي
إن القيمة الحقيقية لحديث الشيخ الأركوازي تكمن في كونه يمثل مؤسسة دينية تستقي فكرها من مدرسة "أهل البيت" (عليهم السلام)؛ تلك المدرسة التي قامت على نصرة المظلوم أيا كان لونه أو عرقه.
لقد كان لافتا ومفرحا في آن واحد ذلك "الوعي القومي" المتجاوز للأطر الضيقة، حيث دعا الشيخ إلى نصرة الكوردي كإنسان: بغض النظر عن متبنياته العقائدية أو توجهاته الفكرية أو الدينية، مثلما دعا إلى توطين الخطاب من خلال جعل منابر العزاء في بغداد منصات للدفاع عن الحقوق المسلوبة، وكذلك إحياء اللغة الأم من خلال المطالبة بتخصيص جزء من المواعظ والخطب باللغة الكوردية، باعتبارها وعاء الهوية والوجود.
وحدة الوجع ووحدة الهدف
أكثر ما يبعث على التفاؤل هو إشادة الشيخ بحالة التلاحم التي بدأت تظهر بين الكورد في مختلف المناطق؛ فالمظلمة واحدة، والعدو المشترك لكرامة الإنسان واحد. إن مطالبة الحضور بالدعاء ليس مجرد طقس تعبدي، بل هو استنهاض للهمم لإبادة الظلم بالكلمة والموقف والتضرع الصادق.
نحو تحول تاريخي
إن كلمات الشيخ الجليل يجب ألا تمر كحديث عابر في مجلس عزاء، بل يجب أن تكون منطلقا للتحول من حالة الركود والجمود نحو الحراك الواعي؛ إنها دعوة لإيقاظ ضمائر الخيرين في هذا العالم، ليؤكدوا أن هذا الكوكب الفسيح يتسع للجميع، وأن الكورد -كغيرهم من الأمم- يستحقون العيش بكرامة وحرية على أرضهم التاريخية.
آن الأوان أن يتحول "المنبر" إلى صوت للحق القومي والإنساني، ليسمع العالم أجمع أن المظلومية مهما طالت، فإن خلفها شعبا لا ينسى، وأصواتا حرة لا تخمد.